يتجاوز مشروع قانون «تبييض المستوطنات»، الموسوم بـ«قانون التسوية»، في أبعاده شرعنة مستوطنة «عمونة» (المقامة على ملكية فلسطينية خاصة) عبر تحريكها من مكان إلى آخر.


ويجرّ مشروع «التسوية» وراءه شرعنة عشرات المستوطنات الأخرى المشابهة التي تضم آلاف الوحدات الاستيطانية السكنية، بجانب الاستيلاء على آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين.
مع ذلك، كشف مشروع قانون «تبييض المستوطنات» (شرعنتها) عن الأولوية التي يحتلها الاستيطان في سياسات الحكومة الحالية، وقدرة لوبي المستوطنات على التأثير في توجهات صناع القرار السياسي، وعن الرؤية التي تستند إليها إسرائيل وترى منها أن الظرف الحالي هو الأكثر ملاءمة للارتقاء بخطة التوسع الاستيطاني.
ما من شك في أن الحكومة الحالية هي حكومة الاستيطان بالدرجة الأولى، خصوصاً أنها تضم كل الأحزاب والشخصيات التي ترى في الاستيطان أولوية تتقدم على الكثير من الأولويات الأخرى. وترجمت ذلك في الإصرار على مواصلة الاستيطان وتوسيعه. لكن قانون «تبييض المستوطنات» يتجاوز كل ما فعلته حتى الآن، هذه الحكومة وما سبقها، لكونها ارتقت إلى مرحلة شرعنة عشرات البؤر الاستيطانية، التي كانت في معايير الاحتلال نفسه غير قانونية، وهو ما أشار إليه رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، بالقول: «لا توجد عمونة واحدة، بل هناك الكثير من عمونة»، واصفاً الإجراء الذي سيتخذ بحق «عمونة» بأنه «تحريك» وليس «إخلاء».
من الصعب الفصل بين هذه الخطوة ونظرة الحكومة الإسرائيلية للمرحلة السياسية التي ترى فيها ظرفاً ملائماً للتقدم خطوة على طريق ضم المستوطنات القائمة في الضفة المحتلة إليها، في الوقت الذي يزعم فيه نتنياهو، أنه مستعد للمفاوضات في أي مكان وزمان مع رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، حول تسوية نهائية تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، مع ما يفترض أن يؤدي ذلك إلى تفكيك المستوطنات!
وفي ظل مبادرتها القانونية حول تشريع المستوطنات، التي طرحتها أمام الكنيست أمس، تبدو الحكومة الإسرائيلية أمام حدَّين: تثمير الظرف الدولي والإقليمي للاندفاع في خيار التوسع الاستيطاني، والاضطرار إلى الخضوع أمام عشرات المستوطنين الذين استولوا على أراضٍ فلسطينية بملكية خاصة. ويشكل هذا الحدث التشريعي مؤشراً كاشفاً عن غياب فرص جدية للتسوية. ويجري كل ذلك في ظل انشغال عربي كامل عن قضية فلسطين وشعبها، بل انفتاح سعودي وخليجي على الاحتلال الذي يجاهر بالاستيطان كثابت استراتيجي، كذلك يعزز التقدير بأن أثمان هذا الانفتاح ستترجم على الدوام بالعملة الفلسطينية. ويندرج مشروع القانون ضمن تكتيكات إسرائيل المتنوعة في الاستيلاء على الأراضي، منها ما تمّ عبر إعلانها أراضي دولة، وهي الطريقة المركزية للاستيلاء على الملكيات الخاصة، واتبع هذا الإجراء في 1979، أو عبر مصادرتها بناءً على أوامر عسكرية. هذه المرة ينضم مشروع قانون تسوية «عمونة» إلى الآليات التي تشرعن الاستيلاء، ثم تغليف ذلك بتعويض قهري لأصحاب الأرض من الفلسطينيين. ويأتي هذا الإجراء كخطوة تمهيدية لملاقاة تولي الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، الذي يراهن اليمين الإسرائيلي على أن تكون ولايته فرصة للاندفاع نحو مزيد من التوسع الاستيطاني. داخلياً، تحولت تسوية «عمونة» إلى أداة من أدوات التنافس داخل معسكر اليمين، وعلى قاعدة المزايدة لكسب الجمهور، وهو ما أسهم في إخضاع نتنياهو لعملية الابتزاز التي مارسها رئيس حزب «البيت اليهودي» اليميني المتطرف، نفتالي بينيت، رغم الانطباع العام بأن خطوة كهذه يفترض أن تُسهم في تقديم إسرائيل كطرف يُسهم في تقويض التسوية. مع ذلك، لفتت تقارير إسرائيلية إلى أن «الحكومة قد تضطر إلى التنازل عن خطة نقل عمونة إلى أراضٍ فلسطينية خاصة مجاورة تحت حجة أنها تندرج ضمن أملاك الغائبين»، وذلك بعدما قدم أصحاب هذه الأراضي وثائق تؤكد ملكيتهم لها. وفي حال ثبوت ذلك، سيصعب قضائياً «تحريك» المستوطنة، نحو مئة متر، كما كان مقرراً.