يبدو أن الصحافيين الاستقصائيين الإسرائيليين، وخصوصاً العاملين في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، توصلوا خلال غوصهم في تفاصيل قضية الغواصات الألمانية، إلى خلاصة مفادها أنه «كلما حفرنا عميقاً في الأرض، فوجئنا بينابيع لا تنضب».


بعد أيام قليلة على كشف الصحيفة عن حقيقة امتلاك شركة حكومية إيرانية 5% من أسهم شركة «تيسنكروب» الألمانية، التي تصنع غواصات لجيش العدو الإسرائيلي، سارعت وزارة الأمن إلى رد مقتضب، قالت فيه إنه «لم يكن لدينا علم بذلك». لكن وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، صرح بعدها بأيام، بأن الوزارة كانت على اطلاع حول دور طهران في شركة «تيسنكروب»، الأمر الذي يناقض الادعاءات السابقة للوزارة نفسها، كما يناقض ادعاءات وزارة المال التي جاء فيها أن «الجهات الموكلة بقضية العقوبات الاقتصادية على إيران، في الوزارة، لم تعلم بأن الشركة الإيرانية تملك أسهماً في تيسنكروب»
كل ذلك يظهر أن «المؤسسات التي تنضوي تحت لواء وزارة الأمن الإسرائيلية تصرفت بشكل خطير جداً إزاء هذه القضية، بل بصورة معيبة وفاضحة»، تضيف «يديعوت».
واللافت أن وزارة أمن العدو نفت، قبل أسبوع، معرفتها بالشراكة الإيرانية في «تيسنكروب» الألمانية العملاقة. وبعد أيام قليلة، أجرت فيها «عملية فحص شاملة»، خلصت إلى نتيجة مفادها أن هناك علاقة لإيران بالشركة الألمانية، علماً بأن المعلومات حول ذلك كانت متوافرة مسبقاً على الشبكة العنكبوتية ومتاحة أمام الجمهور، كما أن «يديعوت» كانت قد أرسلتها إلى الوزارة في أعقاب كشفها عن القضية.
الأخطاء التي رافقت القضية تتوالى، فالمدير العام لوزارة الأمن أودي آدم، والمسؤول عن الأمن نير بن موشي، أنكرا معرفة ذلك حتى الثلاثاء الماضي، ثم صرح ليبرمان فجأة بأن الوزارة كانت تعلم بذلك، وأنه ليس لذلك أي تأثير أو خطورة حول تكشف أسرار المشروع الإسرائيلي أمام المستثمرين الإيرانيين.
أما أمس، فصرّح وزير الأمن السابق موشيه يعالون، بأنه لم يكن يعلم بذلك إطلاقاً، بل فوجئ بالمعلومات التي نشرتها الصحيفة، وعندما قرأها اكتشف الحقيقة التي لم يكن يعرفهاً أيّ من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين.


يعلون كان قد عارض
الصفقة التي وُقّعت
بعد استقالته

في هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن مصادر أمنية رفيعة المستوى قولها، إن ما يلف هذه القضية من تفاصيل إنما يعبر عن «إخفاق خطير»، وكان «يجب على حافظي الأسرار وضع هذه التفاصيل أمام يعلون قبل أن يبلور وجهة نظره بشأن تنفيذ صفقة أخرى مع الشركة الألمانية، حتى لو كانت النتيجة لاحقاً الاعتراض على الصفقة».
وخلافاً لموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عارض يعلون بشدة شراء الغواصات الثلاث الأخرى من «تيسنكروب» لأسباب عملانية، وكانت وجهة نظره أن إسرائيل ليست بحاجة إليها. واللافت أنه بعد استقالته من منصبه، وتعيين ليبرمان خلفاً له، عُقدت الصفقة وصودق عليها في المجلس الوزاري المصغر (الكابنيت).
يتبين من المعلومات الجديدة أن يعلون لم يكن يعرف بأن الشركة الحكومية الإيرانية كانت تملك 8% من أسهم «تيسنكروب»، وأنه بعد العقوبات الأميركية على إيران صارت الشركة تمتلك 5% من الأسهم، كما لم يعلم أن ممثل الشركة الاستثمارية الحكومية الإيرانية (IFIC)، هو عضو مجلس إدارة في «تيسنكروب» حتى 2005، أي في المدة التي كانت فيها إسرائيل والشركة الألمانية تجريان مباحثات حول مميزات الغواصات التي سيتم شراؤها.
ونقلت «يديعوت» عن مقربين من يعلون قولهم إن «التقديرات تشير إلى أنه تم الحفاظ على سرية الاتفاق مع ألمانيا»، وخصوصاً مع شركة «HDW» (تابعة لـ«تيسنكروب») التي تمتلك أحواض بناء السفن. لكنّ مسؤولين أمنيين عبّروا عن تحفظهم إزاء غياب معرفة وزير الأمن بذلك، قائلين إنه «يجب أن يجري التحقيق حول ذلك، فهذه إشارة إلى قلة المهنية التي تدير بواسطتها وزارة الأمن الإسرائيلية المسائل الحساسة». والمؤكد أن مسارعة الوزارة إلى الرد الأولي غير الصحيح، يعبر عن اقتناع المسؤولين بأنهم على حق، فقد وجدوا صعوبة في تصديق المعلومات، بسبب غياب اطلاعهم عليها.
لم يكن يعلون الوحيد فقط الذي لا علم له بعلاقة «IFIC» بـ«تيسنكروب»، فقد نقلت الصحيفة نفسها عن مسؤولين أمنيين آخرين قولهم إنهم «لم يعلموا شيئاً على الإطلاق حول الموضوع». كذلك علق الصحافي، يوسي يهوشوع، وهو متخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، بالقول إن «أداء كبار المسؤولين في الوزارة خلال الأيام الأخيرة يثير القلق»، مضيفاً: «كل من يثق بمحاولات الطمأنة التي تصدر عن الوزارة بشأن سرية المعلومات وأنه لم تتسرب مواد استخبارية إسرائيلية حساسة في صفقة الغواصات، يجب أن يتذكر أنهم هم أنفسهم الذين لم يكونوا على علم بعلاقة إيران، التي كانت معروفة للجميع باستثنائهم».
في أعقاب تكشف هذه الحقائق، بعثت النائبة في الكنيست عن «المعسكر الصهيوني»، تسيبي ليفني، رسالة إلى رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن، آفي ديختر، طالبته فيها بعقد جلسة طارئة لبحث أوجه الفشل والخروق التي رافقت قضية الغواصات.
وكتبت وزيرة الخارجية الإسرائيلية سابقاً، وجليسة «الكابنيت» السياسي والأمني، أن إسرائيل دوماً كانت تبذل جهداً للحؤول دون عقد صفقات مع شركات إيرانية تدر أرباحاً مادية، ليتبن أخيراً أن أموالاً إسرائيلية قد عبرت إلى الخزينة الإيرانية عبر شركة هي أساساً موضوعة على اللائحة السوداء التي أقرتها الحكومة الأميركية منذ 2010، وحظرت التعامل التجاري معها، وما حدث هو أيضاً خرق للقانون الأميركي.
وتابعت ليفني أن الشركات المماثلة لـ«IFIC» هي طريق التفافي «تتحايل» بواسطته إيران على العقوبات، فضلاً عن أن القانون الإسرائيلي يحظر التبادل التجاري بين إسرائيل ودولة عدو. بالإضافة إلى ذلك، أقرت إسرائيل في 2012 «قانون التصدي للبرنامج النووي الإيراني»، الذي حظرت فيه التعامل التجاري مع إيران مطلقاً، وفي إطاره تشكلت لجنة وزارية خاصة. هذه اللجنة، وفق ليفني، كان عليها أن تفحص علاقة إيران بالشركة، وتمنع بذلك حصولها على أي أموال أو شرعية.
كذلك قالت في رسالتها إن هذه الصفقة تثير أسئلة أمنية قد تكون الإجابات عنها قاسية: هل فحص استثمار الشركة الإيرانية في «تيسنكروب» إبان عقد الصفقة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمن أجرى الفحص؟ ثانياً، هل ناقشت اللجنة الوزارية التي تشكلت في أعقاب القانون 2012 الموضوع؟ ثالثاً، ما هي التأثيرات الأمنية المترتبة على اطلاع إيران ــ دولة عدو ــ على مشروع الغواصات والسفن الحربية الإسرائيلية؟ وهل نجحت الحكومة الإسرائيلية حقاً، وكيف، في منع «انزلاق» معلومات إلى المستثمرين الإيرانيين؟




«تيسنكروب»: أسرارنا سُرقت بهجمات «سايبر»

ما كادت إسرائيل تنهي «هضم» المفاجأة التي أعلنها وزير الأن السابق موشيه يعالون، بشأن غياب معرفته بعلاقة الشركة الإيرانية في قضية الغواصات، حتى «قضت» عليها ضربة «تسينكروب»، في بيان أصدرته الأخيرة في وقت لاحق أمس، أعلنت فيه أن «أسرار عمليّة للشركة التي تصنع غواصات للجيش الاسرائيلي، قد تعرضت لهجمات سايبر، وجرت سرقتها». وأضافت: «تسينكروب دوماً كانت هدفاً للهجمات الإلكترونية الضخمة».
في غضون ذلك، نقلت صحيفة «هآرتس» العبرية عن وكالة «رويترز»، الحديث في نيسان الماضي عن هجمات إلكترونية، وعلى ما يبدو فإن هذه الهجمات حدثت قبل ذلك بشهرين، أي شباط الماضي. وسرق المهاجمون معلومات من قسم الهندسة والمصانع ومجالات أخرى، التي وفق بيان الشركة «لم تُقدّر حتى اللحظة».
وتعرف «تيسنكروب» على أنها مصنعة للفولاذ الصلب ومجالات أخرى تبدأ ببناء المصاعد الكهربائية حتى إنشاء السفن والغواصات. وهذه الشركة كانت قد تصدرت عناوين الصحف الإسرائيلية أخيراً، في أعقاب قضية الغواصات الإسرائيلية، التي ارتبط فيها اسم محامي بنيامين نتنياهو الشخصي، دافيد شمرون، الذي هو نفسه محامي ممثل الشركة الألمانية، ميكي جنور.
ووفق «هآرتس»، فإن الشركة حلقة واحدة في سلسلة الشركات الضخمة التي تعرضت للتجسس. فقد ذكر تقرير نشر في الولايات المتحدة الأميركية، قبل بضع سنوات، أن قراصنة إنترنت نجحوا في سرقة معلومات سرية عن جميع الأسلحة الحربية المتقدمة، بدءاً من طائرة «إف 35»، حتى مشروع المدفع الكهرومغناطيسي الذي طورته البحرية الأميركية.