دمشق | قبل نحو عامين، كان خبراء سوريون، حكوميون ومستقلون، يعكفون على إنجاز مسح اجتماعي واقتصادي شامل لسكان البلاد كافة. لم تكن المهمة سهلة، وخاصة أن ميزة المسح الأهم كانت في سعيه للوصول إلى جميع المناطق، بما فيها تلك الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة.


التقرير الأول لنتائج مسح «حالة الإنسان السوري» يحاول تشخيص المسألة السكانية في سورية قبل الأزمة وخلالها، مقدماً كماً هائلاً من المؤشرات والبيانات الإحصائية، التي يُثبت بعضها معلومات ديمغرافية متداولة مع الخوض في تفاصيل كثيرة، ويقلب بعضها الثاني معلومات أخرى رأساً على عقب.
وبحسب التقرير، الذي يطلقه اليوم المركز السوري لبحوث السياسات من بيروت، فإن «الأزمة غيرت التركيب الجنسي والعمري والتعليمي للسكان، نتيجة عوامل متعددة، منها الارتفاع النسبي في وفيات الذكور مقارنة بالإناث، إضافة إلى أثر النزوح والهجرة واللجوء. إذ بلغت نسبة الإناث من إجمالي عدد السكان المستقرين مكانياً نحو 51%، مقارنة بنحو 49% عام 2010، بينما وصلت نسبة الإناث بين النازحين إلى نحو 57%. كما انخفضت نسبة الفئة العمرية بين 15-39 سنة، وخاصة لدى النازحين، وذلك نتيجة الانخراط في القتال أو الهجرة، ما أدى إلى ارتفاع نسبي لبقية الفئات العمرية وتحديداً فئة الأطفال دون الخامسة عشرة». علماً أن نتائج المسح تشير إلى أن إجمالي عدد السكان المتواجدين داخل سوريا بلغ في منتصف عام 2014 نحو 20.776 مليون نسمة، يشكل النازحون منهم نحو 25%، يضاف إليهم نحو 3.136 ملايين نسمة من اللاجئين والمهاجرين. وتالياً فإن نسبة السكان المستقرين مكانياً تبلغ نحو 65% من إجمالي عدد السكان داخل سوريا وخارجها.
بالنسبة لمعدل الوفيات الخام، فإن النتائج تؤكد ارتفاعها من 4.4 بالألف عام 2010 إلى 10.9 بالألف عام 2014، أي ان الأزمة أدت مع نهاية عام 2014 إلى خسارة نحو 325 ألف شخص، 85% منهم وفيات مباشرة ناجمة عن الأزمة و15% غير مباشرة، ومن المقدر أن تكون الخسارة قد ارتفعت إلى 470 ألف شخص مع نهاية عام 2015، وهذا رقم يمثّل نحو 1.9% من إجمالي السكان.

نسف «حقائق»!

أولى المعلومات التي ينسفها التقرير تتعلق بزيادة نسبة الولادات خلال فترة الحرب، لاسيما لدى النازحين عن مناطقهم ومنازلهم، إذ شهد «معدل الولادات الخام انخفاضاً ملحوظاً من 38.8 بالألف عام 2010 إلى 28.5 بالألف عام 2014، ما انعكس تراجعاً في معدل الخصوبة الكلية من 5.2 إلى 3.7 للفترة ذاتها». وليس هذا فحسب، لا بل إن معدل الولادات الخام لدى السوريين النازحين انخفض عن المعدل المسجل لدى نظرائهم المستقرين مكانياً، فقد سجل المعدل لدى النازحين نحو 27.6 بالألف، ولدى السكان المستقرين مكانياً نحو 28.4 بالألف عام 2014، الأمر الذي يناقض «العديد من الافتراضات التي تعتبر أن معدلات الخصوبة ازدادت خلال الأزمة خاصة لدى النازحين».


على خلاف ما يشاع فإن
معدلات الطلاق خلال الأزمة لم تتغير لدى 64% من السكان

كذلك كان الحال بالنسبة لحالات الزواج، إذ تخلص النتائج إلى تراجع معدلات الزواج لـدى 47% من السكان أثناء الأزمة، في حين أنها ازدادت لـدى 27% منهم. ولم تتغير بالنسبة لـدى 26% الباقية. ووفقاً للتوزع الجغرافي فقد سجلت خمس محافظات تراجعاً واضحاً في واقعات الزواج ( القنيطرة، طرطوس، السويداء، اللاذقية، دمشق) وذلك «نتيجة للهجرة، انخراط الذكور في العمل المسلح، ارتفاع تكاليف المعيشة، وغياب الاستقرار». على المقلب الأخر فإن المحافظات التي شهدت أعلى زيادة في واقعات الزواج كانت محافظات دير الزور، حمص، درعا، الحسكة، وإدلب على التوالي، وقد تفاوتت أسباب الزيادة بين «تراجع تكاليف الزواج، مثل المهر المنخفض في ظل الظروف الصعبة للأزمة، انتشار الزواج العرفي، تزويج صغيرات السن، والزواج للخارج، تعدد الزوجات، ضغط القيم التقليدية، والخوف على النساء، هذا إلى جانب الضغوط المعاشية ، خاصة في حالات النزوح واللجوء».
وعلى خلاف ما يشاع أو يعتقده البعض، فإن معدلات الطلاق خلال الأزمة لم تتغير لـدى 64% من السكان، وهو أمر فسرته نتائج المسح بمحاولة السوريين الحفاظ على تماسك الأسرة رغم الظروف القاهرة للأزمة، إلا أن ما سبق سقط لدى 24% من السكان، الذين زادت لديهم معدلات الطلاق، وذلك تحت ضغط ظروف الأزمة، الهجرة، تشتت الأسر وارتفاع تكاليف الحياة، زيادة المشكلات الاجتماعية والضغوط النفسية، إضافة إلى ظاهرة تعدد الزوجات، ووفق نتائج المسح فإن أعلى نسب الزيادة في معدلات الطلاق سجلت في حمص، دمشق، حماة على التوالي. 

التشتت القسري!

يطلق معدو التقرير مصطلح «التشتت القسري» على الانزياحات السكانية الكبيرة، التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، داخلياً عبر موجات النزوح الكثيرة التي حدثت تحت ضغط انعدام الأمن وانتشار القتال على نطاق واسع والانكماش الاقتصادي المدمر، وخارجياً من خلال تفاقم ظاهرتي اللجوء والهجرة المستمرتين. حيث يؤكد معدو التقرير أن «العوامل التي انبثقت جرّاء النزاع المسلّح، ما زالت تتسبّب في استمرار التحوّل الديموغرافي وتغيير خارطة السكان في سوريا، المتمثّل في إعادة توزّع السكّان وتحرّكهم في داخل البلاد وخارجها».
وفي سابقة تسجل لمصلحة التقرير المذكور، فإن مؤشراته وبياناته الإحصائية تضيء بشكل لافت على جوانب، بقيت مهملة لدى الحديث عن ظاهرتي النزوح والهجرة، وهناك نتائج كانت مفاجئة أو على الأقل غير متوقعة على هذا النحو، فمثلاً تكشف النتائج أن المحافظة الأولى بعدد النازحين منها عام 2014 كانت محافظة حلب، التي شكل النازحون منها نحو 30% من إجمالي عدد النازحين على مستوى البلاد، تلتها محافظة ريف دمشق بنسبة 23% ثم دمشق بنسبة 9% . أما من حيث استقبال النازحين، فقد حلت محافظة ريف دمشق في المرتبة الأولى، إذ نزح إليها حوالى 22% من إجمالي عدد النازحين، تلتها محافظة حلب بنسبة بلغت نحو 20%، ثم دمشق بنسبة 11%، علماً أن نحو 65% من النازحين في ريف دمشق وحلب و45% منهم في دمشق، أتوا من مناطق أخرى في المحافظة ذاتها، كما أن نحو 62% من إجمالي النازحين في سورية استقروا في مناطق أخرى داخل محافظاتهم.
لا شك أن هذه البيانات شهدت خلال العامين الأخيرين تغييرات كبيرة، بالنظر إلى تعدد الجبهات المشتعلة من حلب إلى إدلب فدرعا والقنيطرة، إلا أن ذلك لم يغير من طبيعة النزوح وتركيبته وأسبابه ووجهاته، تماماً كما هو حال ظاهرة مغادرة البلاد، حيث بات السوريون يشكلون أكبر مجتمع للجوء في العام على حد وصف التقرير، فقد بلغ العدد الإجمالي لمن غادروا سوريا نتيجة الأزمة في منتصف عام 2014 نحو 3.136 ملايين شخص، توزعوا بين نحو 2.134 مليون لاجئ ونحو مليون مهاجر، مشكلين بذلك نسبة وقدرها 13% من إجمالي السكان،. وهي نسبة تشهد تغيراً مستمراً مع غياب أي حل سياسي للأزمة، يعيد الأمن والاستقرار، ويوقف التدهور الاقتصادي الحاصل.
ويكشف التقرير في تناوله لمؤشرات ظاهرة الهجرة، أن أكبر عدد من المهاجرين خرج من محافظة ريف دمشق، وهؤلاء بلغت نسبتهم نحو 18% من إجمالي عدد المهاجرين، وتوجهوا بشكل أساسي إلى لبنان ومصر والسعودية. المحافظة الثانية في عدد المهاجرين كانت درعا بنسبة 14%، وهاجر معظمهم إلى الأردن ولبنان ودول الخليج. وبعكس اللجوء، يُلاحظ بحسب التقرير أن محافظات ومناطق مستقرة نسبياً شهدت حركة هجرة واسعة، فمثلاً وصلت نسبة المهاجرين من دمشق إلى إجمالي عددهم حوالى 13%. وتبين النتائج أن جزءاً كبيراً منهم خرج من مناطق آمنة ومستقرة نسبياً في دمشق، مثل أبو رمانة والقصاع والعدوي والروضة. ويمكن تفسير ذلك بتدهور الواقع الاقتصادي والمعيشي والأمني في سوريا ما دفع أصحاب الخبرة والكفاءة ورؤوس الأموال إلى الهجرة.