شغل الوزير السعودي السابق علي إبراهيم النعيمي، أسواق النفط لأكثر من 40 عاماً، قضاها بين شركة «أرامكو» ووزارة البترول في السعودية. كان النعيمي أوّل رئيس سعودي للشركة التي دخلها طفلاً حتى قيل عنه «تربية الأميركان».


وعيّن وزيراً للبترول والثروة المعدنية منتصف التسعينيات، وكان أهم عضو في الحكومة من خارج العائلة المالكة... حتى أزاحه محمد بن سلمان، مهندس السياسة النفطية الجديدة، بسبب معارضة الوزير خطة «رؤية 2030».
ولد النعيمي عام 1935 في قرية الراكة التابعة لمدينة الخبر (شرق المملكة). عاش طفولته حافي القدمين يلاحق قطيع الأغنام، ويرتحل مع قبيلة والدته في الصحراء. في ذلك الحين، كانت المملكة قد بدأت تدخل عالم النفط بخطوات خجولة ومتعثّرة. بعد سنوات، حين سأله معلّمه في مدرسة الجبل التابعة لشركة النفط الأميركية، عن طموحه لوظيفته المستقبلية، ردّ قائلاً: «أريد أن أصبح رئيس شركة أرامكو». وآنذاك، كان لا يزال ساعي بريد لا يتجاوز مرتبه ثلاثة ريالات.
دفع انهيار تجارة اللؤلؤ في الخليج كثراً، ومنهم عائلة النعيمي، إلى الانخراط في صناعة النفط، فصاروا ضمن الدفعة الأولى في شركة النفط. منح الملك عبد العزيز شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» (سوكال) الامتياز ربيع 1933. أنشأت «سوكال» بدورها شركة تابعة لها باسم «كاليفورنيا أرابيان ستاندرد أويل كومباني» (كاسوك)، فكانت البذرة لعملاق النفط العالمي: «أرامكو» السعودية. 
في كتابه «من البادية إلى عالم النفط»، («الدار العربية للعلوم ناشرون» 2016)، يصف علي النعيمي، التنافر بين بريطانيا والمملكة الوليدة، وكيف دفع شك عبد العزيز في نيات بريطانيا الاستعمارية المملكة إلى حضن الشركات الأميركية. لكن ذلك لم يمنع من مواصلة «كاسوك» شحن النفط بواسطة بارجات إلى البحرين للمساعدة في تلبية حاجات البحرية الملكية البريطانية ضدّ الألمان في الحرب العالمية الثانية. كان من نتائج دعم المملكة للحلفاء تغيير اسم الشركة ليصير «الزيت العربية الأميركية» في 1944، وأيضاً انضمام ثلاث شركات أميركية في أواخر الأربعينيات لتنمية القطاع النفطي السعودي.
تظهر الحروب والإضرابات العمالية في سيرة النعيمي، كأنها نقلة مفيدة في حياته العملية والدراسية. مثلاً، قررت «أرامكو» ابتعاثه للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت صيف 1953. ورشحه تفوقه مرة أخرى للدراسة في كلية حلب. لم يدم ذلك طويلاً، فقد ألغي برنامجه الدراسي بسبب إضرابات عمال «أرامكو» ــ يقودهم ناصر السعيد (اختطف في بيروت 17 كانون الأول 1979) ــ للمطالبة بتحسين ظروف العمال وأجورهم، إضافة إلى رفع التمييز عن العامل السعودي مقابل الأجنبي.


لا يخفي كتاب
الرجل إعجابه بالحياة الأميركية ومشاورته واشنطن دوماً

بعد ذلك، انتقل النعيمي من مستشار توظيف إلى إدارة التنقيب في الربع الخالي، ثم عاد للدراسة في «الأميركية» ــ بيروت تمهيداً لدراسة الجيولوجيا في جامعة ليهاي شرق بنسلفانيا في الولايات المتحدة. عاش الطالب السعودي خلال تلك المرحلة أجواء انتخاب جون كيندي والتظاهرات ضد العنصرية وحرب فيتنام. ساعد كل ذلك، كما يقول، على تكوين وعيه السياسي وتأثره بالقومية العربية، خاصة من كتاب «يقظة العرب.. تاريخ حركة القومية العربية» لجورج أنطونيوس، لينتقل بعدها إلى دراسة ماجستير الجيولوجيا في جامعة ستانفورد كاليفورنيا.
لاحقاً، تسببت حرب 1967 بترقية النعيمي أربع درجات وظيفية. في ذلك اليوم، ترك العمال السعوديون العمل في مقارّ «أرامكو» باعتبار الولايات المتحدة حليفة للعدو الإسرائيلي، وتظاهر طلاب كلية البترول والمعادن المجاورة لمقرّ الشركة مقتحمين الحيّ الأميركي السكني ومتوجهين إلى القنصلية الأميركية، في ما يعرف باسم «أربعاء الحجارة». أعلنت المملكة في عهد فيصل حظر تصدير النفط خلال حرب 1973 للغرب، ما أوقع رئيس «أرامكو» التنفيذي آنذاك، فرانك جونكرز، في دائرة الحرج، أمام الامتثال للقرار الملكي أو المجازفة بتأميم الشركة، رغم أن حصة الحكومة السعودية كانت لا تتجاوز 25%. كل تلك الأحداث خدمت مسيرة النعيمي، ولا سيما تعيينه مدير إنتاج المنطقة الشمالية، بصفته أول مواطن سعودي يتولى هذا المنصب.
منذ 1978، أشرف النعيمي في منصبه (نائباً لرئيس «أرامكو») على خطة التحول السعودي أو تدوير «البترودولار»، وذلك لتقليص الاعتماد على النفط، مستفيداً من طفرة أسعار النفط. لكن هذا لم يدم لمدة طويلة بين التظاهرات ضد شاه إيران وحظر النفط في السبعينيات، إضافة إلى الحرب العراقية ــ الإيرانية، فوقعت الدول المنتجة في فخ رفع الأسعار الذي حذر منه الوزير أحمد زكي يماني (1962 ــ 1986).
لا حاجة إلى الكثير لنعرف أن ذلك صبّ في مصلحة النعيمي، لأنه رغم انتقال ملكية «أرامكو» إلى الحكومة السعودية كلياً في 1980، أصر السعوديون على بقاء الإدارة الأميركية التي صوتت على تعيين النعيمي رئيساً لها عبر مجلس الإدارة الموجود في ولاية ديلاوير، مكان تسجيل الشركة الأم بعدها بثلاث سنوات. ولا يخفي الرجل في مذكراته إعجابه بالحياة الأميركية، حتى إنه كشف أن فريقه كان يتفاوض مع واشنطن في أسعار النفط قبل الدخول إلى اجتماعات «أوبك».
وكانت السعودية قد أخفقت في لعب دور «المنتج المرجح» بتقليصها الإنتاج لرفع الأسعار في الثمانينيات وسد العجز الإيراني، ما كلفها انهياراً عالمياً في أسعار النفط بمجرد العودة إلى رفع الإنتاج في سبيل استعادة إيرادات نفطية تحتل 70% من العائدات المالية. أطاحت تلك الأزمة الوزير يماني، كما ستطيح الأزمة الأخيرة النعيمي، بعدما كان مهندس الاستراتيجية النفطية السعودية في السنوات العشرين الماضية.
فعلاً، أُقيل من منصبه الأخير بعد أيام من اجتماع «أوبك» الذي عقد في الدوحة، في حزيران الماضي، بسبب اقتراحه تجميد الإنتاج، بعدما كان قد أيده في السابق. لكن محمد بن سلمان رأى أن ذلك يصبّ في مصلحة إيران، وبسبب معارضة الوزير قرار طرح جزء من أسهم شركة النفط السعودية للبيع في السوق العالمية، لم يرق هذا وليّ وليّ العهد الطامح إلى خلافة والده، كما تقف عثرة في وجه «رؤية 2030» للاستغناء عن موارد تصدير النفط، وهو أداة الحسم في وصوله إلى الحكم.
يتفاخر النعيمي في كتابه كيف استغرقت المملكة في تأميم «أرامكو» طوال 60 عاماً من دون ثورة، كما حدث في إيران وكوبا، مع أنّ «مفخرة التاج السعودي» معروضة للبيع اليوم. قد يكون ذلك صعباً على الرجل الثمانيني الذي اضطر إلى الاختفاء من المشهد النفطي. لكن من يدري كيف ومتى سيكون التأميم القادم؟