منذ أكثر من أسبوع، تواصل «حركة المقاومة الإسلامية ـــ حماس» تنفيذ عملية أمنية استباقية أدت إلى اعتقال سلفيين متشددين في قطاع غزة كانوا ينوون تنفيذ عمليات تفجير «تستهدف فنادق وأماكن عامة في القطاع».


وتفيد مصادر في الحركة، تحدثت إلى «الأخبار»، بأن عناصر من جهاز «الأمن الوطني» دهموا يوم الأربعاء الماضي مجموعة من السلفيين المتشددين في منطقة خانيونس، جنوبي القطاع، وذلك بعد تأكيد معلومات لدى قيادة «حماس» عن نية هذه المجموعة استهداف أمن المقاومة في غزة.
في بداية الحملة، لم تكن أجهزة الأمن تتوقع الإمساك باثنين من القيادات المهمة للسلفية الجهادية، منهم مسؤول كبير (ع. أ.) ــ ملقب بأبو المحتسب المقدسي ــ وُجدت لديه في أجهزة حاسوب متنقلة معلومات تفصيلية عن الخلايا العاملة في القطاع، ومن بعده «كرّت سبحة الاعتقالات»، فيما سبق ذلك الإمساك بمسؤول الوحدة الصاروخية التي كانت تطلق الصواريخ على فلسطين المحتلة لجلب ردّ إسرائيلي ضاغط، وهو ما أثمر غياب هذا التصرف خلال الحملة الجارية منذ ما بعد مقتل الشاب مثقال السالمي.
تضيف المصادر نفسها أن القوات المهاجمة واجهت صعوبة في إيقاف المطلوبين، الذين «استشرسوا في القتال ورفضوا الاستسلام»، لذلك طلبت قوات «الأمن الوطني» دعم وحدة النخبة في «كتائب الشهيد عز الدين القسام» (الذراع العسكرية للحركة) الموجودة في المنطقة، لإلقاء القبض على المجموعة. خلال إحدى العمليات، ألقى أحد المطلوبين الهاربين (إ. هـ.) قنبلة على المجموعة المهاجمة، فأصيب هو وآخرون. ووفق المعلومات، ألقت «حماس» القبض على قرابة 150 سلفياً جهادياً في مختلف مناطق القطاع، ومن هؤلاء من كانوا ينوون استهداف المدنيين وشخصيات أمنية وأماكن عامة في غزة لجرّ الحركة إلى «مربع استنزاف».
حتى الآن، ليس لدى قيادة «حماس» تقدير لسبب اختيار هؤلاء التوقيت الحالي للتصعيد، ولكن مهما كانت الأسباب، من المؤكد بالنسبة إلى غالبية قيادات المقاومة، في «حماس» وغيرها، أن هؤلاء يعملون وفق «التوقيت الإسرائيلي»؛ فقد أثبتت التجارب، خصوصاً عمليات إطلاق الصواريخ العشوائية، أن العدو استغلها لقصف أنفاق ومخازن مهمة للمقاومة في مختلف مناطق قطاع غزة.
بعد اعتقال تلك المجموعات، ردّت قيادات في «ولاية سيناء» ــ في حملة ثانية بعد مقتل السالمي (راجع العدد ٣٠٤٢ في ٢٥ تشرين الثاني) ــ بتهديد التجار المصريين في سيناء بالذبح إذا استمروا في نقل البضائع إلى غزة عبر الأنفاق التجارية. ووفق إحدى قيادات المقاومة، فإن «ولاية سيناء كانت قد أقفلت بعض أنفاق الإمداد العسكري التابعة للمقاومة في غزة، خاصة الواقعة شرقي معبر رفح... في الأيام الماضية هدد أفراد التنظيم التجار في السيناء بالذبح إذا استمروا في نقل البضائع أو ما يخص المقاومة عبر الأنفاق التجارية الواقعة إلى غرب المعبر».
مثل المرة الماضية، ردّت «حماس» على إجراءات «داعش» بإغلاق الأنفاق من جهتها أيضاً، مانعة إدخال أي من جرحى التنظيم أو الهاربين من سيناء، إلى غزة، كما شددت إجراءاتها الأمنية على الحدود، وعملت على دهم عدة نقاط وإلقاء القبض على أي شخص ينوي التوجه إلى سيناء.


وصلت تهديدات باستهداف كوادر للحركة يعيشون
في تركيا
وأكثر ما أثار اهتمام متابعي الحملة الأمنية في المقاومة هو المخططات والخرائط للأهداف التي كان مناصرو «داعش» والعاملون بأمره ينوون استهدافها في القطاع. ووفق المعلومات، وجدت الأجهزة الأمنية ضمن الخرائط والمعلومات مواقع عسكرية تابعة لها.
رغم حملة التهديدات المتواصلة سلفياً، تقول المصادر في المقاومة إنها تتحسب لكل الاحتمالات، ومن أسوئها أن «تقصف المجموعات الإرهابية في سيناء بقذائف الهاون مراكز الأمن الوطني على معبر رفح أو الحدود». أما عن سيناريو استهداف سكان القطاع بتفجير سيارات مفخخة، فتستبعد قيادات في «حماس» ذلك، رغم أنه احتمال ممكن، لكنهم في الوقت نفسه لا ينفون أنه «صودر عدد كبير من السيارات المفخخة... بعد ذلك من الصعب إدخال سيارات مفخخة إلى غزة».
يُشار إلى أن الضربة الإسرائيلية الجوية الأخيرة على غزة، في تشرين الثاني الماضي، تبيّن أنها شملت أنفاق المقاومة في دوار ملكة بأكثر من 16 غارة، ردّاً على صاروخ أطلقته المجموعات السلفية. بعد هذه الغارة، هدّدت «حماس»، عبر رسائل مبطنة، تلك المجموعات بالقضاء عليهم عسكرياً إذا استمروا في هذا النهج، وأبلغتهم أنها ستتعامل معهم على أنهم «عملاء للعدو وينفذون مخططاته»، إلى أن أتت قضية مقتل السالمي وتبعتها الأحداث بهذا التدرج.
رغم ذلك، فإن لدى «داعش» أوراقاً عدة في أكثر من منطقة يهدد بها «حماس» خاصة، والمقاومة عموماً؛ فقد ورد لدى الحركة تهديد مفاده أنه إذا لم يُفرج عن المعتقلين السلفيين، فإن مجموعات في تركيا ستستهدف قيادات وأبناء «حماس» هناك، وهو ليس سيناريو صعباً في ظل التحرك السلس للتنظيم في ذلك البلد.
بالنسبة إلى «حماس»، فقد اتخذ قرار بمنع ابتزاز المقاومة وجرّ العدو إلى استهدافها في كل حملة اعتقال، كما عُمّم على أعضاء الحركة أنه لا رضوخ أمام هذه التهديدات، مع الإشارة إلى أن «القسام» تعتبر في منظومتها الداخلية أن هذه المجموعات «من خوارج هذا العصر»، وهو اللفظ الذي ورد في رسالة القائد العام للكتائب محمد الضيف، إلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، عقب تفجير برج البراجنة الانتحاري قبل أكثر من عام.




تعميم حمساوي: دعاة لا قضاة... مجدداً

في ما يشبه المراجعات الداخلية الإخوانية القديمة، أصدرت «الهيئة الإدارية في منطقة الشاطئ» الجنوبي، التابعة لحركة «حماس»، بياناً تلى مقتل الشاب مثقال السالمي في مخيم الشاطئ، والإمساك بالمجموعة التي قتلته وتبيّن أن منها أعضاء في الذراع العسكرية للحركة. البيان المروّس في تاريخ 21 من تشرين الثاني الماضي، والمكشوف عنه حديثاً، نصّ على عشر نقاط ناتجة من «الحادثة المؤسفة» بقتل السالمي، التي أعلنت الهيئة أنها ترفضها بكل قوة.
بعد التقديم بمجموعة من الشواهد الدينية، من نصوص قرآنية وأمثلة تاريخية، أكد البيان لمناصري الحركة أن ما حدث اغتيال «ينافي أخلاق وشيم جماعة الإخوان»، وأنه فعل ينافي «أحكام الشريعة... وحق الإمام بإقامة الحدود»، كما أنه «يهدّد الأمن السلمي». وفي تحذير من «ظاهرة الخوارج»، طلب البيان ألا يكون أبناء الحركة من «الحرفيّين المتمسكين بظواهر النصوص (الخوارج)»، مشدداً على أنه «لا يجوز لمن رضي أن يكون جنديا في الإخوان... ومقاتلاً في كتائب القسام أن يقوم بمثل هذه الأفعال».
ولفت البيان أخيراً إلى أن «قيادة المنطقة ومنذ الساعات الأولى للحدث ومجلسهم في حالة انعقاد دائم»، في إشارة إلى خطوة الحادثة وتداعياتها، وذلك قبل وقت قصير من حملة الاعتقالات الجارية.
(الأخبار)