«حركة أحرار الشام الإسلامية» ماضيةٌ بثبات نحو التصدّع بعد عامين من المدّ والجزر عاشتهما منذ مقتل مؤسّسها أبو عبد الله الحموي (حسان عبّود) وسائر «قادة» الصف الأول فيها. كثيرة هي «المنعطفات» الخطرة التي تجاوزتها «الحركة» منذ الحادثة التي سُجّلت نظريّاً «ضدّ مجهول» فيما بات من المسلّم أنّها جاءت نتيجة صراعات استخبارية إقليمية للاستئثار بالنفوذ داخلها، غير أنّ الأمور وصلت على ما يبدو نقطة اللاعودة أخيراً.


ومنذ أكثر من عام لم تعد صراعات «الأجنحة» داخل «أحرار الشام» مقتصرةً على كونها انعكاسات للولاءات الإقليمية، بل فرّخت صراعات موازية بين مراكز القوى، حيناً لأسباب تتعلّق بالمناصب والأموال، وآخر لأسباب مناطقيّة بين «الجناح الإدلبي» و«الجناح الحموي» وثالثاً بسبب تضارب التوجّهات «الأيديولوجيّة» بين التيارين القاعدي والإخواني وصراعات «الشرعيين». وتشير المعطيات المتوافرة في كواليس «أجنحة الحركة» المختلفة إلى أنّ «الفتنة» الأخيرة مرشّحة لتكون المسمار الأخير في نعش «وحدة البيت الأخير» ولا سيّما أنّها تأتي هذه المرّة مفصّلةً على مقاس رغبات «الداعمين». وكانت «الأخبار» قد كشفت قبل أكثر من شهرين عن توجّه لدى أبرز «الداعمين» الإقليميين إلى تسريع وتيرة «الانشقاقات» داخل كبرى المجموعات المسلّحة في سوريا بغيةَ «تنقية الصفوف» وفرز المجموعات إلى قسمين أساسيين: الأوّل «صعب الترويض» والثاني «سهل الانقياد» (راجع «الأخبار»، العدد 2992). وبدأت نتائج «الفتنة» الأخيرة في الظهور إلى العلن قبل أيّام مع إعلان هاشم الشيخ (أبو جابر) تشكيل «جيش الأحرار» من ستة عشر «لواء» و«كتيبة» من مكوّنات «أحرار الشّام». وحاول بيان التشكيل أن يُظهر الأمر في مظهر مختلف عن «الانشقاقات» المعتادة عبر الحفاظ على اسم «حركة أحرار الشام» في مقدمته، والتأكيد على أنّ الخطوة هي «إعلان اندماج». ويأتي هذا الإجراء انطلاقاً من اقتناع الشيخ وفريقه بأنّهم «يمثّلون نهج أحرار الشام الأصيل ويسيرون على خطى المؤسس الشيخ أبو عبد الله الحموي» وفقاً لما أكّده مصدرٌ من الدائرة المحيطة بأبو جابر لـ«الأخبار».


أدّت الرغبة التركيّة إلى إقصاء الشيخ عن «الإمارة» لمصلحة مهند المصري

المصدر قال إنّ «جيش الأحرار ترك الباب مفتوحاً أمام كل من يرغب في الانضمام إليه، والتمسّك بنهج الأحرار الأصيل»، وأضاف «شكّلنا نواة اعتصام، والكل مدعوّ للتمسّك بعروة جيش الأحرار». وتغلب على معظم المجموعات التي تضمّن البيان أسماءها صبغة «السلفيّة الجهاديّة»، فيما يُعتبر أبو جابر الشيخ واحداً من أبرز الوجوه «الجهاديّة» داخل «أحرار الشام». وكان الشيخ أوّل «أمير» يتلقّى «البيعة» بعد مقتل حسّان عبود ورفاقه في أيلول 2014 («الأخبار»، العدد 2391). وتوسّعت «أحرار الشام» في عهد الشيخ ولا سيّما مع انضمام «ألوية صقور الشّام» إليها في آذار 2015، وأدّت الرغبة التركيّة لاحقاً إلى إقصاء الشيخ عن «الإمارة» تحت ستار «تداول القيادة» لمصلحة مهند المصري الذي أفلح في الحفاظ على «شعرة معاوية» مع أبو جابر. وتفيد مصادر من داخل «الحركة» بأنّ «اختيار علي العمر (أبو عمّار) أميراً عامّاً للحركة خلفاً للمصري كان الشعرة التي قصمت ظهر الشيخ وزمرته، وقرّروا إنجاز ما كانوا يبيّتون له منذ أشهر». وكانت «مبايعة» صاحب لقب «عزرائيل» التي تمّت أواخر الشهر الماضي قد أفضت أيضاً إلى إقصاء معظم المحسوبين على جناح أبو جابر من كل المناصب القياديّة وعلى رأسها «مجلس الشورى»، علاوة على سريان أنباء في كواليس «الحركة» عن اعتزام «القيادة الجديدة على محاسبة أبو جابر وزمرته على كل تجاوزاتهم السابقة». وأمس، اتّخذت «قيادة الحركة» قراراً تصعيديّاً ضد عرّابي «جيش الأحرار» حيث صدر عن «قائد الجناح العسكري» قرارٌ بـ«إيقاف ثلاثة قياديين عن العمل وإحالتهم إلى الهيئة القضائيّة». فيما قالت بعض المصادر إنّ قراراً غير معلن قد صدر أيضاً باعتقال أبو جابر الشيخ وثلاثة من المقرّبين منه. واستندت قيادة «أحرار الشام» في إجراءاتها التصعيديّة الى «فتوى» وفّرها اثنا عشر «شيخاً» من المرجعيّات على رأسهم أبو العباس الشامي أيمن هاروش وأبو بصير الطرطوسي بتحريم «تشكيل جيش الأحرار والانضمام إليه». وتوالت أمس بيانات «الألوية» و«الكتائب» المحسوبة على «الحركة» معلنةً اصطفاف كلّ منها إلى جانب أحد الفريقين الأساسيين «أحرار الشّام» و«جيش الأحرار»، في مشهد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الذي قد يقود الصراع إلى مرحلة الاحتراب.




هاشم الشيخ (أبو جابر)، من مواليد 1968 في مدينة مسكنة شرق حلب. قاتل في صفوف «قاعدة الجهاد» في العراق. سُجنَ عام 2005 عند عودته إلى سوريا. أطلق سراحه في أيلول 2011، وأسّس بعد فترة قصيرة «كتيبة مصعب بن عمير» في مسكنة، التي انضمت في ما بعد إلى «أحرار الشام». عُيّن لاحقاً عضواً في «مجلس شورى الحركة»، ثمّ «أميراً للحركة في حلب» بعد مقتل أبو خالد السوري (وكيل زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظاهري في سوريا). في أيلول الماضي اختير «قائداً عاماً للحركة» بعد الحادثة التي أودت بمؤسّسها وقائدها السابق حسان عبود مع عدد من أبرز قادة الصف الأول فيها.