يثير تفجير الكنيسة البطرسية إشكاليات عدة، تجهد الدولة (وعهود ما بعد السادات عموماً) في إخفائها والتلطّي خلف شعارات ساذجة عن الوحدة الوطنية، وحديث عن مؤامرة خارجية للنفاذ من المسؤولية أمام ما يجري في مصر منذ زمن.

لم تعد سياسة دفن الرأس في الرمال تأتي بثمارها.

ليس «داعش» ولا «حسم» ولا «لواء الثورة» ولا «الإخوان»، أعداء الأقباط والمسيحيين، فقط. يعرف المسيحيون في مصر، أن الدولة تكرّس تزمتّاً و«تكفيراً»، يجعل من كل فردٍ فيهم، مهددّاً في مجتمعٍ تنتشر فيه كل صنوف الإرهاب والكراهية ويزداد فيه يوماً بعد يوم، اضطهاد «الفئات الضعيفة»، أكانوا أقباطاً، أو نساءً، أو أي إنسان يأخذ مسافةً من العقلية الرجعية المتغوّلة، أو تشعر هذه الأخيرة أن بإمكانها إخضاعه واستغلاله، كما هو الحال في التعاطي مع المرأة مثلاً. تتغوّل هذه العقلية، وتستشرس بين شرائح المجتمع معتقداتٌ ممزوجة بأفكار أصولية، لا زلنا نصرّ أنها غريبة عن مصر «التي في خاطرنا».
من عرّوا «سيدة المنيا» القبطية قبل أشهر، وسحلوها في القرية، لم يكونوا «إخوان» ولا أعضاء في «داعش». هم مواطنون بسطاء، قرروا أن ينتقموا من رجلٍ على خلفية طائفية، بإهانة أمه المسنّة. ومن أحرق منازل في قرى أخرى لأنها قد تُحوّل إلى كنائس، بعد قرارات منع بناء المزيد من الكنائس، لا ينتمون إلى جماعات تكفيرية. بل هم مصريون، يستندون في ممارساتهم إلى دولةٍ قوانينُها مجحفة، ولا تزال تعتمد، عند وقوع جرائم طائفية، على المصالحات العرفية، لـ«وأد الفتنة»، من دون أي محاسبة تمنع تكرار الاعتداء. ومن قتل مصريين مسيحيين، على خلفية بناء دور العبادة نفسها، لم يكونوا سلفيين، بل أشخاص مقتنعون بأنهم يعيشون في «دولة إسلامية»، مهما شاهدوا على التلفزيون، عروضاً موسمية، عن الوحدة والإخاء.
والسؤال الأكثر خطورة في هذا المجال، كيف يصدّق الأقباط أن هذه الدولة، وأي دولة، هي «دولتهم»، طالما أن معظم مؤسساتها وموظفيها وشرطييها وجنودها، ينظرون إليهم كـ«عدو»، بسبب التعاليم التي تشرّبوها وشكّلت الوعي الديني المتزّمت للشارع المصري، منذ ثمانينيات القرن الماضي، لأسباب سياسية إحتوائية، لا مجال للخوض في تفاصيلها الآن.
قبل أيام فقط، «سلّم» الرئيس عبد الفتاح السيسي مهمة «تجديد الخطاب الديني» التي كادت تصبح عبارة فارغة من أي مضمون جدّي، إلى شيخ الأزهر، بعد فشل وزارة الأوقاف التي رأت أن الحلّ يكمن في توحيد خطبة الجمعة، بشكلٍ «يضبط» رجال الدين ودعواتهم، ويبقيهم في كنف الدولة؛ من دون النظر إلى القوانين نفسها التي تميّز بين مواطني الدولة الواحدة، ومئات المدارس والجمعيات التي تكرّس التحريض والانغلاق، ناهيك عن الأزمات الاقتصادية التي تُنبئ بمزيدٍ من الفقر والجهل. وفي الوقت نفسه، استخفّ السيسي في خطاب رسمي قبل أيام، بأهمية التعليم، عندما قال «ينفع التعليم بإيه في وطن ضايع»، من دون رؤية العلاقة السببية بين شقّي الجملة.
قد يقول البعض، إن ما نشاهده في ظلّ دولة «30 يونيو» هو «أفضل المجتمعات الممكنة» في بلدٍ، كان يتهدده نفق أكثر ظلمة لو بقيت تحكمه جماعة «الإخوان». وفي هذا القول جانب من الصواب، لكنّ الأكيد أن مشكلة بنيوية تهيمن على علاقة الدولة مع فئات كبيرة من الشعب المصري، طالما أن هذه الدولة تخشى الذهاب نحو تحوّلات جذرية في المسائل الاجتماعية ــ الدينية، وتعجز بالتالي عن علاج الكراهية والخوف والغربة التي تُغرق مصر والمصريين.
يعرف الأقباط أنهم مهددون من الإرهاب التكفيري، لكنهم أصبحوا قريبين أكثر من حقيقة أن الدولة الحالية التي رأوا فيها مرةً، خشبة خلاص من حكمٍ إخواني لم يعرفوا مصيرهم فيه، لن تمثل مظلّة «حماية» لهم. لماذا؟ لأن هذه الدولة تحمي عقليةً دينية رجعية متزمتة، تسكن في قوانينها وأولوياتها وخطابها، مهما ارتدت أثواباً «وطنية». الأقباط مهدّدون ومستباحون من الإرهاب، طبعاً. لكنّه إرهابٌ فوق إرهاب.