بعد حسم معركة الأنفاس الأخيرة أمس، ارتفع الصوت عالياً في ما يخصّ المدنيين المحتجزين في البقعة الوحيدة تحت سيطرة المسلحين. توقّف أزيز الرصاص على وقع انتصار عسكري وانفتاح نحو تسوية تحفظ المدنيين وتؤمّن خروج بقية المسلحين المهزومين من دون معركة بشروط دمشق وحلفائها.


الاتفاق الذي تولّاه الجانبان الروسي والتركي خلع عنه العباءة الأممية حيث كان مجلس الأمن يتداعى لاجتماع طارئ لبحث قضية حلب، ليفاجئ المندوب الروسي المجتمعين بالاعلان عن إنجاز الاتفاق خارج أسوار الأمم المتحدة.
عملياً، تخرج مدينة حلب اليوم من دائرة الصراع المسلّح الذي لازمها لمدة تزيد على أربعة أعوام، عبر تسوية تقضي بخروج من تبقّى من المسلحين نحو ريف المدينة الغربي، تتوّج العمل الميداني الاستثنائي للجيش السوري وحلفائه في الأحياء الشرقية.
إرادة الدولة السورية في رفع الضغط وعدم الخضوع للابتزاز الغربي دفعت الجماعات المسلحة وداعميها نحو القبول بعرض إخلاء المدينة، بعد رفضه مرات عدة. الاتفاق الذي جاء عبر تنسيق روسي ــ تركيّ مشترك، كان أشبه بمسار إجباري للجماعات التي حوصرت في مساحة تقّدر بأقلّ من خمسة كيلومترات مربعة، مع أعداد من المدنيين الذين إما رفضوا المغادرة أو منعتهم تلك الجماعات لاستخدامهم كضمانات للخروج، لاحقاً.


التسوية تقضي
بخروج المسلحين نحو ريف حلب الغربي

وتحدثت المعلومات عن أن الاتفاق ينصّ على وقف العمليات العسكرية في الأحياء التي لم يدخلها الجيش السوري، ليتم البدء بعمليات الإجلاء في الخامسة من فجر اليوم، على أن يبدأ خروج المصابين أولاً عبر معبر بستان القصر، ويتم بعدها إخلاء المسلحين والمدنيين الراغبين في المغادرة انطلاقاً من حي صلاح الدين باتجاه الراموسة ثم إلى ريف حلب الغربي. ووفق ما نقلت مصادر معارضة، فإن الجانب التركي سيقوم بنقل عدد من المسلحين، وخاصة عناصر الفصائل التي تعمل مع القوات التركية ضمن عمليات «درع الفرات»، في مرحلة لاحقة، إلى ريف المدينة الشمالي للانضمام إلى تلك الفصائل.
وبينما لم يصدر تعليق رسمي من دمشق حول الاتفاق، فإن من المتوقع أن يغادر حوالى 12 ألفاً بين مدنيين ومسلحين، وهو العدد الذي كان يطرحه ممثلون عن الفصائل المسلحة خلال عدة لقاءات خلال الأيام الثلاثة الماضية، مع مسؤولين عسكريين سوريين، وبحضور روسي، حسب معلومات «الأخبار». هذه الاجتماعات كانت تهدف إلى إقرار تسوية تنهي العمليات العسكرية وتسمح للراغبين بمغادرة المدينة. واللافت أن تلك المشاورات تجددت صباح أمس بعد فترة انقطاع، واستمرت حتى الإعلان عن الاتفاق الروسي ــ التركي من دون أي دور لواشنطن كما جرت العادة.
ورغم التصريحات التركية المبكرة عن قرب التوصل إلى اتفاق، فإن وقت الإعلان عنه جاء حساساً للغاية، إذ تزامن مع عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بدعوة من فرنسا، لبحث تطورات الأوضاع في مدينة حلب والضغط على روسيا لوقف العمليات العسكرية. وخلال كلمة المندوب الروسي فيتالي تشوركين، قال إن «آخر المعلومات التي وصلتني الآن تفيد بأنه تم التوصل إلى اتفاق على الأرض يقضي بمغادرة المقاتلين المدينة»، موضحاً أن «عملية الاجلاء قد تتم خلال الساعات القليلة المقبلة». وأضاف أنّ عملية الجيش المدعومة من روسيا في حلب ستنتهي أيضاً «خلال الساعات المقبلة»، مضيفاً أن «كل المتشددين ومعهم أفراد أسرهم والمصابون، سيخرجون من ممرات متفق عليها إلى وجهات اختاروها بأنفسهم طواعية».
وبدا لافتاً أن الاتفاق أتى بعيداً عن التجاذب الروسي ــ الأميركي المعتاد، والذي فشل قبل أيام في التوصل إلى هدنة مماثلة، وهو ما أكده المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي، الذي قال إن «واشنطن اطلعت على تقارير حول اتفاق لوقف إطلاق النار... والاتفاق تم التوصل إليه بجهود روسية ــ تركية، ونحن نرحّب بأي حل من شأنه وقف العنف». وفي سياق متصل، كانت مساعدة وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، آن باترسون، قد أكدت خلال لقائها مع وفد من الهيئات الاقتصادية في بيروت أمس، أنّ «معركة حلب التي ستنتهي في غضون يومين هي نقطة تحوّل في الحرب السورية». وأضافت أن «ما بعدها ليس كما قبلها، وعلى الجميع أن يتوقّع من الأميركيين سلوكاً جديداً حيال الحرب في سوريا»، مؤكّدةً أنّ «من المفترض أن يركّز الجميع على الحرب ضدّ داعش».
ومن جهتها، قالت مبعوثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامانثا باور، في كلمتها أمام المجلس، إن «الحكومة السورية وروسيا وإيران تتحمل مسؤولية قتل المدنيين في حلب»، مطالبة بتولي مراقبين تابعين للأمم المتحدة مسؤولية متابعة عمليات خروج المسلحين والمدنيين من المدينة.
وبدوره، رأى المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا أنّ «ما يجري حالياً لا يشكّل نهاية لعملية التسوية السلمية»، مؤكداً أن «هذه اللحظة هي المثالية للتأكيد على أهمية إعادة إحياء وتعزيز المسار السياسي».
وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قد كشف عن لقاء تستضيفه أنقرة، بين مسؤولين أتراك وخبراء من الجانب الروسي، لبحث تسوية لوضع المسلحين والمدنيين المحاصرين في عدد قليل من أحياء في مدينة حلب. وأوضح خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التشيكي لوبومير زاوراليك أمس، في أنقرة، أن بلاده «تبذل مساعي حثيثة من أجل وقف الظلم الحاصل في مدينة حلب خصوصاً، وسوريا عموماً، ولن تقف صامتة رغم تخاذل الجميع»، مضيفاً أنها «تعمل بجهد وتكثّف مباحثاتها مع الدول المعنية بالوضع السوري، وخاصة روسيا وإيران، من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتحقيق حل سياسي».
وكان الوزير التركي قد بحث أمس تطورات الملف السوري مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وأفادت وكالة الأنباء القطرية الرسمية بأنّه «جرى خلال الاتصالين بحث الوضع الإنساني المتفاقم في مدينة حلب».
وعلى صعيد آخر، بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، الوضع في مدينة حلب السورية، خلال اجتماع مجلس الأمن القومي الروسي. وقال بيان صادر عن المركز الإعلامي للكرملن إن بوتين دعا المجلس إلى عقد اجتماع اليوم الثلاثاء، بحث خلاله الوضع في مدينة تدمر التي سيطر عليها تنظيم «داعش» مجدداً، إلى جانب التقدم الذي حققته القوات الحكومية السورية في مدينة حلب.
(الأخبار)




تركيا تجهّز مخيّماً للخارجين من حلب

بعد الإعلان عن الاتفاق حول مدينة حلب، أعلن نائب رئيس الوزراء التركي، محمد شيمشك، في تغريدة له على «تويتر»، أن بلاده تعمل على إنشاء مخيم قادر على استيعاب ما يصل إلى 80 ألف لاجئ سوري، من المغادرين من مدينة حلب.
وبالتوازي، أوضحت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر كريستا أرمسترونغ، أن اللجنة مستعدة للعب دور «وسيط إنساني محايد» في عملية الإجلاء من أحياء حلب، مضيفة أنه «يجري إعداد خطة طوارئ تمكّننا من التحرك سريعاً إذا لزم الأمر». وبدوره، أشار المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا إلى استعداد فرق الأمم المتحدة لـ«الدخول إلى حلب، ولكننا بانتظار موافقة الحكومة السورية». وشددت أرمسترونغ على ضرورة حماية المدنيين الذين يجري إجلاؤهم والذين يختارون البقاء، مؤكدة أن الصليب الأحمر الدولي لا يشارك بشكل مباشر في المفاوضات.
(رويترز، أ ف ب)