لم يُقيّض للاتفاق الروسي ــــ التركي بشأن حلب أن يرى النور أمس. ساعاتٌ قليلة كانت كافية لنعيه ومواصلة الأعمال القتاليّة من حيث توقّفت، في انتظار عودة الاتفاق إلى الواجهة وفق «شروط المنتصر». تكهّنات كثيرة سرَت حول أسباب التعطيل، يتعلّق بعضها بأعداد الخارجين المفترضين من مربّع سيطرة المجموعات المسلّحة، وبعضها الآخر بحيثيات عقد الاتفاق وطريقة إعلانه.


وتفيد معلومات «الأخبار» بأنّ العقدة الأساسيّة التي حالت دون إبصار الاتفاق النور ترتبط بمنحه «حجماً أكبر من المفترض لأنقرة». مصدر سوري رفيع المستوى أوضح لـ«الأخبار» أنّ «الدور التركي كان باستمرار هدّاماً وسلبيّاً في الملف السوري، وهم يبحثون فقط عن مد خشبة الخلاص لأعوانهم الإرهابيين وعلى رأسهم متطرّفو النصرة في حلب». ومنذ الإعلان الروسي عن الوصول إلى اتفاق مع أنقرة بشأن حلب شهد مثلّث «دمشق ــــ طهران ــــ موسكو» سلسلة اتصالات مكثّفة (أُعلن عن القليل منها) تمحورت حول مضمون الاتفاق ومفاعيله العسكرية والسياسية. وتمسّكت دمشق وإيران بموقف مُشترك مفادُه أنّ «اتّفاقاً من هذا النوع لا يمكن إمراره ببساطة من دون أن توضع على الطاولة ملفّات كثيرة». البحث عن «المقابل» الذي ينبغي على «المهزومين بقيادة أنقرة» أن يقدموه حضرَ بقوّة خلال تلك الاتصالات، ويبدو أنّ الخلاصة تمحورت في النهاية حول مدنيي كفريا والفوعة المحاصرين في معاقل «جيش الفتح». الصيغة المطروحة للاتفاق المعدّل الذي قد يبصر النور هي «خمسة عشر ألف مدني مقابل مسلّحي حلب وعائلاتهم ومن يلوذ بهم». الاتفاق المعدّل الذي سُرّب ليلاً عبر مصادر المجموعات المسلّحة لم يُعلن عنه بشكل رسمي بعد، مع الأخذ في عين الاعتبار أن دمشق تولي اهتماماً خاصّاً لطريقة الإعلان. وتشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ منح تركيا دوراً يرقى إلى حد اعتبارها دولة عُظمى قادرةً على إبرام اتفاقات مُعلنة من «الوزن الثقيل» بشكل ثنائي مع روسيا شكّل إحدى العقبات في وجه إنفاذ الاتفاق في يومه الأول. ويبدو جليّاً أن رؤية دمشق وطهران كانت موحّدة حول تفاصيل كثيرة، على رأسها مقارنة الاتفاق المنعيّ باتفاقات سابقة عقدتها روسيا مع الولايات المتحدة و«كانت طبيعيّة بالنظر إلى أنها بين قوّتين عُظميين، أُنضجت على نار هادئة وبتنسيق وتشاور على أدق التفاصيل مع دمشق».


لقاء روسي ـ تركي ـ إيراني في 27 من الشهر الجاري لبحث الأزمة السورية



وبدا لافتاً أمس خروج عدد من الاتصالات الدبلوماسيّة في شأن حلب إلى العلن، وعلى رأسها اتصال أجراه الرئيس الإيراني حسن روحاني مع نظيره السوري بشّار الأسد «هنّأه فيه بانتصار الشعب السوري في حلب وتحريرها من الإرهابيّين» وفقاً لما نقلته وكالة «سانا». ويكتسب توقيت الاتصال أهميّة خاصّة، ويبدو جليّاً أنّه يصبّ في خانة تصليب التفاهمات القويّة بين الحليفين. وعلى مسارٍ مرتبط بحث وزير الخارجية الروسيّ سيرغي لافروف هاتفيّاً الملف السوري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وفقاً لما ذكرته الوزارة الروسيّة، التي أعلنت أيضاً عن محادثات هاتفيّة متعلّقة بالملف نفسه بين لافروف ونظيره الأميركي جون كيري.
وفي صلب الحراك المتعلّق بملف حلب جاء اتصال هاتفي رفيع المستوى بين موسكو وأنقرة، اتفق خلاله الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان على «بذل جهود مشتركة لبدء إجلاء المدنيين وقوات المعارضة من شرق حلب في أقرب وقت ممكن»، وفقاً لما نقلته «رويترز» عن «مصادر في الرئاسة التركية». بدوره، حرص وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في تصريحات صحافيّة على تحميل «مسؤولية انهيار وقف إطلاق النار» لكلّ من «الجيش السوري وعددٍ من فصائل المعارضة المسلّحة» وعدم إلقاء اللوم بأكمله على دمشق. كما بدا لافتاً إعلانه في ساعة متأخرة ليل أمس عن «لقاء روسي ــــ تركي ــــ إيراني في موسكو في 27 من الشهر الجاري لبحث الأزمة السورية». وبدا أنّ التسارع الدبلوماسي أتاح الفرصة أمام إعادة الروح إلى اتفاق موسكو ــــ أنقرة لكن بعد الاتفاق على تفاصيل جديدة. ويرفض مصدر سوري رفيع الحديث عن «خلاف مع موسكو في شأن حلب أو غيرها من الملفّات»، ويقول لـ«الأخبار» إنّ «موسكو حليف فوق العادة شأنها في ذلك شأن طهران، ومن الطبيعي أن تتباين رؤى الحلفاء في بعض الملفّات لا سيّما أن التحالفات تقوم عادة على النقاشات المستمرّة لا على الإملاءات».
على الأرض واصل الجيش السوري وحلفاؤه من جهة، والمجموعات المسلّحة من جهة أخرى الأعمال العسكرية. ويسعى الجيش إلى تكثيف الضّغط العسكري على مربّع سيطرة المجموعات المسلّحة الذي انحسر في مساحة 2.5 كيلومتر، لفرض «استسلام الإرهابييّن» وفقاً لمصادر عسكريّة سوريّة. وكان «مركز المصالحة الروسي» في حميميم أعلن أمس أنّ «القوات السورية التزمت بنظام التهدئة في المناطق الشرقية من حلب لمدة يوم بعد التوصل إلى اتفاق مع المسلحين حول خروجهم من المدينة، لكنّ الإرهابيين استغلوا الهدنة لتجميع قواتهم واستئناف القتال». في المقابل، حاولت المجموعات استعادة نوعٍ من التوازن المفقود عبر السعي إلى استعادة بعض النقاط الحيويّة وعلى رأسها عقدة «جسر الحج». وتعّد العقدة بمثابة صلة وصل بين ضفّتين، تنحصر في إحداهما المناطق الأخيرة للمسلّحين: الأنصاري، وأجزاء من السكّري والزبديّة وصلاح الدين. في مقابل أحياء استخلصها الجيش السوري خلال اليومين الأخيرين على الضفّة الأخرى مثل الكلاسة، بستان القصر، الفردوس، حارة الشحادين، المغاير، الصالحين. ومن شأن نجاح المجموعات في استعادة هذه العقدة أن يمنحها نفَساً جديداً يتيح المناورة على الأرض، كما على المسار التفاوضي. أمّا الفشل فقد يعني مواصلة الجيش تقدّمه نحو المربع الأخير وإسقاطه خلال مدى زمني قد لا يتجاوز الأربع والعشرين ساعةً المقبلة. ويبرز احتمال ثالث يتعلّق بعدم مواصلة الجيش التقدّم البري والاكتفاء بتكثيف النيران وصدّ محاولات الهجوم المتتالية في انتظار مآلات المسارات التفاوضية.
وخلافاً لما طفا على السطح أمس من تزعّم «تجمّع فاستقم كما أُمرت» للهجوم المعاكس الذي تشنّه المجموعات، تفيد معلومات متقاطعة حصلت عليها «الأخبار» بأنّ «نخبةً من القيادات الجهاديّة أخذت على عاتقها أمر العمل العسكري بأكمله». ويقول مصدر «جهادي إعلامي» لـ«الأخبار» إنّ «الأمر بات محسوماً تماماً، لن يستسلم أيّ من المجاهدين للنصيريين وحلفهم، وسيرون من أمرنا عجباً». وعلمت «الأخبار» أنّ «غرفة طوارئ جهاديّة» استحدثت أمس بغية «قيادة وتوجيه دفّة الهجوم المعاكس، بالاعتماد على عشرات الانغماسيين والانتحاريين». وعلى مسار متصل تفيد معلومات «الأخبار» بأنّ «هجوماً كبيراً يتم الإعداد له عبر محوري الراشدين وجمعية الزهراء غرب حلب» في مسعى إلى إعادة خلط الأوراق العسكريّة في «عاصمة الشمال». ولم يتسنّ الحصول على تعليق «جهادي» على تسريبات «أحرار الشام» في شأن «بدء تنفيذ الاتفاق في السادسة من صباح اليوم»، لكنّ أصوات الاشتباكات هدأت بعد سريان تلك الأنباء، قبل أن تعود بشكل متقطّع.