رام الله | لا يمكن فهم إصرار السلطة الفلسطينية على الانضمام إلى «منظمة الشرطة الجنائية الدولية ــ الإنتربول»، والتعثر فيه مجدداً، ضمن سياقها المعلن بالسعي إلى الانضمام إلى أكبر عدد ممكن من الهيئات والمنظمات الدولية، باعتبار أن ذلك «إنجاز» على طريق تحقيق الدولة، بسبب ما يختلج ذلك من تفاصيل داخل التفاصيل.


وكانت آخر الدول التي انضمت إلى «الإنتربول» هما سانت مارتن وجنوب السودان عام 2011، رغم أن الأخيرة تعتبر «دولة مستقلة» حديثاً، فيما تأجل البت في إعطاء السلطة، التي حصلت على توصيف دولة عضو مراقب في «هيئة الأمم المتحدة»، هذا الامتياز مطلع الشهر الماضي، للمرة الثانية.
وتتهم السلطة، إسرائيل، بإعاقة انضمامها إلى المؤسسات الدولية، فيما يتحدث خبراء قانونيون مقربون من السلطة، عن أنه لا يوجد في انضمام السلطة إلى «الإنتربول» ما يمسّ المصالح الإسرائيلية. ويرون أن رام الله تهدف بصورة أساسية من الإصرار على هذا الانضمام إلى ملاحقة المطلوبين على خلفية قضايا جنائية وفارين خارج نطاق فلسطين، بسبب قضايا مثل الاختلاس المالي وغسل الأموال.
يُذكر أن القانون الأساسي الخاص بـ«الإنتربول» يثير أسئلة عدة عن الأضرار الممكنة لالتحاق السلطة بها، خاصة أن بعض البنود التي تختص بها المنظمة كالإرهاب والعصابات والاتجار والأسلحة وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية، تتصل بصورة ما بالوضع الفلسطيني تحت الاحتلال، مع أن المادة 3 من قانون «الإنتربول» نصت على أنه «يُحظر على المنظمة حظراً نهائياً أن تنشط أو تتدخل في مسائل أو شؤون ذات طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري».
في غضون ذلك، يرجح هؤلاء أن تعدّل اللجنة التنفيذية في «الإنتربول» معايير الانضمام إليها في العام المقبل، ما قد يحرم السلطة الانضمام إليها، خاصة لو ظهر أنها غير مستوفية للشروط وفق التعديلات، مشيرين إلى أن السلطة الفلسطينية هي من أولى الجهات والدول العربية التي وقعت على «اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي»، التي تمثل «الإنتربول العربي».
في المقابل، يرى متابعون للشأن السياسي الفلسطيني أن خطوات السلطة وتلويحها بالانضمام إلى مؤسسات دولية هي تصرفات «غير منطقية»، على اعتبار أن مسؤولي السلطة يتعاملون مع الوضع السياسي كأنهم يعيشون في دولة مستقلة، كذلك فإنهم لا يخفون تخوفهم من أن يؤدي ذلك إلى تسليم مطلوبين من المقاومين إلى جهات خارجية، إن كان ذلك بالخطأ أو عن قصد.
يشار إلى أن السلطة أخفقت في المرة الأولى في تقدمها بسبب التأخير في تقديم طلب الانضمام، وفي الثانية كان الإخفاق سببه «عدم إدراج موضوع الطلب الفلسطيني على جدول أعمال الاجتماع السنوي لمنظمة الإنتربول».
ويشير خبراء القانون إلى أن أحد الردود الممكنة في حال قبول السلطة في «الإنتربول»، هو أن تعمد إسرائيل، التي تعيش وضعاً مختلفاً وهي دولة كاملة العضوية في عرف الأمم المتحدة، إلى اعتبار كل هجوم للمقاومة الفلسطينية «قضية جنائية» تستهدف الأمن العام، الأمر الذي سيجعل التنسيق الأمني يتسع في مصلحتها.
وكان جهاز «الأمن الوقائي» يقوم بدور كبير في التنسيق مع الدول في قضايا تبادل المعلومات، وكذلك الحال بالنسبة إلى جهاز «المخابرات الفلسطينية».
من جهة أخرى، كان مساعد وزير الداخلية الفلسطيني سابقاً قد قال إن الانضمام إلى «الإنتربول» سيلزم إسرائيل بقوانين المنظمة، وسيجعلها مجبرة على تسليم أي مطلوب جنائي يفرّ داخل الأراضي المحتلة عام 1948 إلى السلطة، وفي ذلك تفاؤل كبير إذا أخذنا بالاعتبار ضرب إسرائيل عرض الحائط بقرارات دولية أهم.
وكانت السلطة نفسها قد طالبت «الإنتربول» بتسليمها مطلوبين على اتهامات في قضايا جنائية واختلاسات طائلة، لكن المنظمة رفضت هذه الطلبات، ومنها الطلب الأخير بتسليم خالد سلام المعروف بـ«محمد رشيد»، وهو مستشار الرئيس الراحل ياسر عرفات السابق.