دخل اليوم الثاني من تسوية مدينة حلب، كسابقه، في نفق التأجيل وإعادة التفاوض، بعد توقف لعمليات الإجلاء من الأحياء الباقية تحت سيطرة المسلحين في حلب. تعليق تنفيذ التسوية، الذي أتى عقب اتهام القوات الحكومية السورية للمسلحين بخرق بنود الاتفاق وإخراج أسلحة ثقيلة ومخطوفين داخل سياراتهم الخاصة، تبعه انسحاب فرق المنظمات الدولية من محيط المعبر في منطقة الراموسة، وانتشار وحدات الجيش السوري في المكان لضبط الوضع الأمني.


التعطيل لم يكن في حلب فقط، إذ بقي دخول القافلة إلى بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب معلّقاً برغم سلسلة الاتصالات التركية المكثفة التي ضغطت لإمرار القافلة وإعادة الأمور إلى نصابها. وبرغم ما أشيع عن التوصل إلى صيغة تحل معضلة البلدتين وتتيح استكمال عملية الإجلاء في حلب، علمت «الأخبار» من مصدر مطلع في «حركة أحرار الشام»، في وقت متأخر من مساء أمس، أن «كل ما يشاع عن استئناف إجلاء أهالي مدينة حلب خلال الساعات المقبلة، غير صحيح، وما زالت المحادثات جارية ولم نصل إلى نتيجة بعد».
ويبدو أن الرعاية التركية الحريصة على إنجاح الاتفاق في حلب، عبر القنوات الديبلوماسية والاستخبارية النشيطة مع موسكو، ستكمل طريقها إلى الحقل السياسي، من بوابة العاصمة الكازاخية، أستانة، التي كشفت موسكو وأنقرة أنهما بصدد الإعداد لمؤتمر سياسي يجمع الحكومة السورية مع أطياف المعارضة الداخلية والخارجية، وبتنسيق تركي مع الفصائل المسلحة.


تُعدّ موسكو وأنقرة
لمؤتمر سوري ــ سوري
في أستانة

الإعلان جاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أشار إلى أنه اتفق مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على «تقديم مقترح للأطراف ــ نحن للحكومة السورية، والرئيس التركي لممثلي المعارضة المسلحة ــ بإكمال محادثات السلام المعلّقة، في أستانة»، مشدداً على أنه «لن يكون بديلاً لمحادثات جنيف، بل هو أقرب إلى استكمال لها». وجاء التأكيد التركي عبر وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ومن مصادر في الرئاسة التركية، أوضحت أن مقترح «عقد مباحثات بشأن الأزمة السورية في العاصمة الكازاخية أستانة» طرح في خلال الاتصال الهاتفي بين الرئيسين أردوغان وبوتين، الأربعاء الماضي. ولم يهمل جاويش أوغلو، التأكيد أن بلاده لن تلتقي مع مسؤولين من الحكومة السورية مباشرةً، غير أنه شدد على وجود «توافق مع إيران وروسيا على ضرورة إقرار هدنة»، وهو ما لمّح إليه الرئيس الروسي بدوره، إذ أشار إلى أن الخطوة المقبلة بعد تسوية حلب «ستكون وقفاً لإطلاق النار على كامل الأراضي السورية».
الرسالة الروسية حول ما يجري في حلب، حملها بوضوح تصريح لرئيس غرفة العمليات في هيئة الأركان الروسية سيرغي رودوسكي، الذي اعتبر أنه «بعد تهرب الولايات المتحدة من فصل الإرهابيين عن المعتدلين، طرحنا مبادرة لإخراج (جبهة النصرة) من المدينة، وواشنطن رفضت الفكرة، فاضطررنا إلى فعل ذلك بأنفسنا»، مشيراً إلى أن «3400 مسلح من المعتدلين سلّموا أسلحتهم طوعاً في خلال عمليات تحرير أحياء حلب، وبقي نحو 4500 من المتشددين في المدينة، وخرج معظمهم في خلال أول يوم من عمليات الإجلاء».
وضمن هذا السياق، أعلن الجيش الروسي في بيان أمس أن القوات السورية تقوم «بتصفية آخر جيوب سيطرة الفصائل المتشددة في حلب». أما وزير الخارجية التركي، فقد لفت إلى أن «عمليات الإخلاء لم تنته، وما زال الكثيرون يريدون مغادرة المنطقة»، وهو ما أشار إليه مصدر عسكري سوري خلال حديث لوكالة «فرانس برس»، بقوله إن العمليات «لم تنته بل علقت».
وفي المقابل، أكد رئيس المكتب السياسي لتجمع «فاستقم كما أمرت» زكريا ملاحفجي، أن عملية الإجلاء «أبعد ما تكون عن الانتهاء»، مضيفاً أن «المصابين وبعض المدنيين هم الذين غادروا، ولم يخرج أي من المقاتلين». وبدوره، جدد مصدر معارض تأكيدات بأن كل الجماعات التي تحاصر قريتي كفريا والفوعة وافقت على السماح بإجلاء المصابين منهما، عدا «جبهة فتح الشام».
وأفادت وكالة «سانا»، أمس، بأن عمليات الإجلاء من حلب أدت في خلال الـ 24 ساعة الماضية إلى إخراج 8079 مسلّحاً مع عائلاتهم على 10 دفعات، تقلهم حافلات وسيارات إسعاف من أحياء صلاح الدين والأنصاري والمشهد والزبدية إلى الريف الجنوبي الغربي للمدينة، موضحة أنه أول من أمس، أُخرج أكثر من 2300 مسلّح مع عائلاتهم على ثلاث دفعات.
وبدا لافتاً بالتوازي مع النشاط التركي ــ الروسي لعقد مباحثات سوريّة في أستانة، إبداء المنسق العام لـ«الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، استعداد «الهيئة» للانضمام إلى تلك المحادثات «بشرط أن يكون هدفها تشكيل حكومة انتقالية». وشدد في خلال حديث للصحافيين في كوبنهاغن، عقب اجتماع مع وزير خارجية الدانمارك أندرس سامويلسن، على أن «الهيئة تشكلت لإيجاد حل سياسي في سوريا، وهي ملتزمة محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة».