لم تكن حسابات الحقل عند الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي، وفريقه، هي نفسها حسابات البيدر، وذلك منذ عودته إلى عدن. فعلى الصعيد الأمني، استمر نزف الدم الجنوبي بنفس الطرق والأساليب، من عمليات انتحارية أحدثت مجازر جماعية، وعمليات قتل للأفراد مع التصوير في وضح النهار، واستمر نزف الدم والقتل الجماعي للجنود الجنوبيين الباحثين عن تسلّم رواتبهم بكرامة، وهي رواتب محتجزة في صناديق «الشرعية» المصرة على التفنن في مسك الجنود وإخضاعهم ثم تخييرهم بالموافقة على الذهاب إلى جبهات القتال السعودية ضد اليمن أو الموت على أبواب المعسكرات، في عملية إذلال ممنهجة من دون أدنى مراعاة للشرف العسكري أو للكرامة الإنسانية.


وضمن هذا السياق، وقع الانفجار الانتحاري الأخير، يوم أمس، وهو الثاني في خلال أسبوع، تبناه «داعش» أيضاً، واستهدف الجنود القادمين لتسلّم رواتبهم في معسكر الصولبان، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن خمسين جندياً ووقوع عشرات الجرحى. وكذلك، أتى الانفجار الانتحاري الثاني فيما لم تظهر بعد نتيجة اللجنة التي شكلها هادي للتحقيق في أسباب الخرق الأمني للانفجار الأول الذي أوقع خمسين قتيلاً وعشرات الجرحى. وقد شكل هادي اللجنة عقب توجيه انتقادات لاذعة وجهها إليه سياسيون وناشطون جنوبيون على خلفية تقديمه مليون ريال يمني لأسر الضحايا من الجنود، فدعوه إلى المسارعة للكشف عن القتلة بدل إسكات الأسر بما يقرب من ثلاثة آلاف وخمسمئة دولار أميركي لكل أسرة.
وكانت لافتة الاتهامات التي وجهت من أطراف السلطة التي يرأسها هادي، فيما لم يجرِ التعرف بعد إلى ضحايا الانفجار الأول، وجرى تحميل بعضهم المسؤولية ليس عن التقصير فحسب، بل باستغلال المساجد لتوجيه الشباب على الكراهية والانتماء إلى الفكر التكفيري، كما جاء في اتهامات وجهها وزير الدولة في حكومة أحمد بن دغر، هاني بن بريك، ما سعّر الحرب الكلامية والبيانات بينه وبين «حزب الإصلاح» عقب تغريدة نشرها الوزير السلفي بن بريك، الذي يعد القائد والمشرف على «قوات الحزام الأمني» (ميليشيا مسلحة مدعومة من الإمارات في مدينة عدن والمحافظات الغربية). وتعهد بن بريك في التغريدة بـ«الثأر من الإخوان» عبر هاشتاغ (#ثأر_عدن_سيحرق_الإخوان)، ملمحاً إلى تورطهم بتفجير الانتحاري الاول الذي تبناه أيضاً «داعش»، واستهدف مركزاً لمتطوعين عسكريين تجمعوا لتسلّم رواتبهم.
بدوره، أصدر «الإصلاح» بياناً شديد اللهجة بحق بن بريك، متهماً إياه «بمحاولات متكررة لخلق الفتنة في وسط الشرعية»، ومنها ما يتعلق بالأحداث الإرهابية الأخيرة. لكن تجدر الإشارة إلى أن مدير الأوقاف في عدن، قام بتغيير أئمة المساجد الوسطيين والمعتدلين والقريبين من الطريقة الصوفية والسلفية الدعوية بآخرين متطرفين وقريبين من «الإصلاح» والوهابية.
أما على مستوى الداخلي، فقد استمر نزف المال الحكومي بيد عصابات الفساد والإفساد الممنهج، وكان آخرها نهب الأراضي والاستيلاء على ممتلكات الدولة وممتلكات الآخرين. وكالعادة، تتبادل أطراف «الشرعية» الاتهامات وقذف المسؤولية في ما بينهما، بينما المواطن الجنوبي يقع ضحية الصراع على السلطة وسرقة حقوقه ومقدراته.
وكان بارزاً ما كُشف عنه من ملفات الفساد التي تطاول باستمرار المحسوبين على دولة الإمارات، إذ سُربت وثائق لمشاريع حكومية تثبت تورط محافظ عدن، عيدروس الزبيدي، وفريقه من خلال تهديده لوضعية الأراضي (عقارات) العامة والاستيلاء عليها بعقود مزيفة وبصورة مخالفة للقانون، وتقدر قيمتها بملايين الدولارات الأميركية. وقد أثبتت مصادر صحافية أن مطابع خاصة بالإضافة إلى المطابع الحكومية الخاصة بالدوائر العقارية تطبع عقود إدارة الأراضي من قبل أشخاص موظفين وآخرين غير موظفين. ولفتت المصادر إلى أن هيئة أراضي عدن أصبحت تعجّ بالفساد وتباع عقودها في الشوارع.
وتفيد مصادر مطلعة بأن المعضلات الإدارية ناتجة من سوء الإدارة والفساد المستشري في المؤسسات الحكومية من جميع الأطراف المشكلة للسلطة. غير أن المصادر استغربت إثارة الفساد من جانب واحد، دون الأطراف الأخرى، المحسوبة على تحالف هادي ــ الإصلاح، والتركيز فقط على الطرف المحسوب على الإمارات. وتشير تلك المصادر إلى أن أهم تلك المعضلات هي التعيينات التي يصدرها هادي نفسه على أساس المحسوبية والولاء الشخصي بعيداً عن الكفاءة والأهلية والحق. واستناداً إلى إجماع المراقبين والمطلعين، فإنّ من يشرف على تلك المؤسسات هم المحسوبون على هادي، وأبرزهم نجله جلال. لذا، إن أي عملية إصلاح إداري أو اجتثاث للفساد الممنهج ستبوء بالفشل والإخفاق، ولن تؤدي إلا إلى استمرار الفساد، ولكن بأساليب جديدة ومبتكرة، وإلى أن تطلع رائحتها ويرتفع الصوت يعاد تغيير الأسلوب من جديد.
وكانت الأبواق الإعلامية التابعة للشرعية (الممولة من نجل هادي جلال) روجت أن عودة الرئيس المستقيل عبد ربه منصور هادي إلى عدن هي لمواجهة المسار السياسي وما انبثق منه من تشكيل الحكومة برئاسة عبد العزيز حبتور، وكذلك من أجل حل المشكلات الاقتصادية والخدماتية المتفاقمة والعمل على تحسين الوضع الأمني، بالإضافة إلى تجهيز حملة عسكرية كبيرة لما سمّوه تحرير مدينة تعز.
وكان واضحاً أن عودة هادي إلى عدن جاءت بعد تقديم مبعوث الأمم المتحدة لليمن إسماعيل ولد الشيخ، مبادرته الموقعة لإنهاء الحرب، وهي تنهي في أحد بنودها دور هادي السياسي نهائياً، وقد أثارت المبادرة رعباً حقيقياً في الأوساط القريبة من هادي، الذين حاولوا التعويض عن تصور الخسارة بإنهاء الدور بالتوهم بأن وجود جميع أركان الشرعية في عدن سيغني عمّا يعتقدونه خللاً جذرياً في المبادرة وسيرفع عنهم تهمة الاستقواء بالخارج والحكم من المنفى، وبالتحديد من الفنادق الفخمة في الرياض.