عمان ــ الأخبار

استطاعت مجموعة مسلحة، طوال ساعات، يوم أمس، تنفيذ عملية لافتة في محيط قلعة الكرك، جنوبي الأردن، البلد الذي يحرص مسؤولوه على وصفه دوماً بـ«بلد الأمن والأمان» وسط إقليم مشتعل، تشارك عمّان في جزء من الفوضى الحادثة فيه، خاصة على حدودها الشمالية مع سوريا. نفذ المسلحون «مذبحة على عجل»، بعدما شاغلوا مركز أمن المحافظة واستدرجوا دورية أخرى إلى كمين، كما ينقل أبناء المحافظة، الذين «فزعوا» (هبّوا) لمشاركة الأمن في التصدي لمن قدّروا غالباً أنهم من تنظيم «داعش» الإرهابي.

والكرك معقل أساسي للقوميين ولليساريين رغم وجود امتداد للفكر التكفيري فيها، كذلك فإن غالبية مواطنيها، مثل المناطق الجنوبية في المملكة، يمتلكون أسلحة ورشاشات شخصية.
الهجوم الذي استمر لساعات متأخرة من مساء أمس، وسُجّل فيه مقتل عشرة أشخاص، منهم سائحة أجنبية (كندية على الغالب)، وأربعة عناصر أمن، يوجّه ضربة إلى قطاع السياحة الناشط في الأردن، وهو قطاع مهم وحسّاس في ظل انعدام موارد أساسية كثيرة في البلد، ووسط أزمة اقتصادية تلفّ المنطقة. وبينما يعاني الأردن تبعات هذه الفوضى التي تهدم الدول، كان العشرات من أنصار «جماعة الإخوان المسلمون» يشاركون في وقفة أمام السفارة الروسية في العاصمة عمان، قالوا إنها «تضامنية مع المحاصرين في مدينة حلب»، وهتفوا فيها ضد الرئيس السوري بشار الأسد، والقوات الإيرانية والروسية التي تقاتل إلى جانب الجيش العربي السوري.
هذا المشهد يضع الأردنيين أمام أخذ وردّ ضمن تيّارين باتا يتمايزان على الساحة الأردنية: الإسلاميون، وغالبيتهم مناصرون للجماعات المسلحة في سوريا والعراق وليبيا ومصر، والتيار الآخر، الذي ينمو بين كبرى العشائر الأردنية والقوى القومية واليسار بوجه عام، وهو مناصر للدولة السورية، تحديداً، في مواجهة الإرهاب، وأيضاً داعم بقوة للجيوش الوطنية.
يقول أنصار التيار الأخير (رفض بعض المتحدثين منهم ذكر أسمائهم نظراً إلى التضييق الأمني)، إن عملية أمس دليل على أن «العدو الإرهابي واحد، وهو نفسه العدو الذي انتصر عليه الجيش السوري في حلب»، وإن «الإرهاب سيتعزز داخل الأردن لولا مواجهة الجيش السوري له»، وتوجد دلائل سابقة على ذلك، ليس آخرها الهجوم الحدودي بسيارة مفخخة قبل أشهر، فضلاً عن استهداف مقر أمني في مخيم البقعة.


قبل عملية القلعة استُهدف أمن المحافظة واستُدرج الأمن إلى كمين آخر


رغم ذلك، لا تُقاس عملية الكرك بالأحداث الخطيرة التي عاشتها سوريا في السنوات الخمس الماضية، في ظل دخول عشرات آلاف الإرهابيين الأجانب والعرب، ومنهم أردنيون بالمئات، أرداوا تدمير الدولة السورية التي تتقدم بكثير عن واقع الدولة الأردنية، لجهة الخدمات وتأمين الدراسة والعلاج المجانيين، والحدّ الأدنى للمعيشة الذي يفقده مئات الآلاف من الأردنيين.
على الصعيد الميداني، قدّرت مصادر أمنية أردنية، حتى وقت متأخر أمس، أن العملية ضد الإرهابيين في محيط قلعة الكرك لم تنتهِ رغم الهدوء الحذر الذي يسود المنطقة، فيما قال المتحدث باسم الحكومة، وزير الإعلام محمد المومني، إن العملية ستنتهي قبل منتصف الليل، وإن المسلحين تعمّدوا القنص العشوائي للمدنيين. لكن تلك المصادر لم تحدّد هوية الخلية المهاجمة، مشيرين إلى أنه إلى جانب القتلى ثمة 28 من المواطنين المارة أصيبوا أيضاً بالرصاص، بينهم حالات خطرة.
رئيس الوزراء هاني الملقي، الذي كان يحضر جلسة نيابية خلال بدء الاشتباكات، اقتضب في ردّه على نائب محافظة الكرك صداح الحباشنة، الذي طالب بإقالة وزير الداخلية على خلفية ما يجري، بأن خلية مكوّنة من عشرة أشخاص، على الأقل، تحصّنت في قلعة الكرك، وبأن القوات الخاصة تتعامل معهم.
في وقت سابق من اليوم نفسه، كان مصدر أمني قد أفاد بأن مسلحين ملثمين أطلقوا النار على مركز أمن مدينة الكرك، واستهدفوا بعد ذلك دورية أمنية على طريق القطرانة. واللافت أن الاستهداف الأخير جاء على صورة كمين، إذ أفاد بيان بأن إحدى دوريات الأمن العاملة في القطرانة تلقت بلاغاً بوجود حريق في أحد المنازل، وفور وصولها إلى المكان، تعرضت لإطلاق نار مفاجئ من مجهولين كانوا داخل المنزل، ما تسبب في إصابة رجلي أمن وهرب المسلحين.
منذ بدء الاشتباكات، أُرسلت التعزيزات إلى المحافظة التي تبعد 127 كلم عن العاصمة، إضافة إلى طائرات تحمل وحدات خاصة. ووفق إفادات من مواطنين هناك، فإن بعض المسلحين استخدموا سيارات «تويوتا»، كذلك لفتوا إلى أن استهداف مركز أمن المدينة تسبّب في إصابة اثنين من السياح الأجانب والمرافق الخاص بهم، فضلاً عن ثلاثة عناصر أمن.

ووفق مصادر أخرى، فإن الخلية التي أطلقت النار من البيت في القطرانة كانت على ارتباط بالمهاجمين في قلعة الكرك، الذين يبدو أنهم عملوا على التغطية على انسحابهم باعتبارهم كانوا يستخدمون البيت لتصنيع المتفجرات استعداداً لعملية ما، وهو ما أكده بعض شهود العيان الذين رصدوا مصادرة الأجهزة الأمنية أحزمة ناسفة ومتفجرات.
ولم يتبين بعد هل تم تحرير كل الرهائن من القلعة وبقي المسلحون فيها، كذلك تضاربت الأنباء بشأن إلقاء القبض على مسلحين حاولوا الهرب، لكن البيان الأمني الثاني، المتوقع صدوره قبل منتصف الليل، سيوضح الوضع بالتفصيل، خاصة أن السلطات هي تقريباً المصدر الوحيد للمعلومات في مثل هذه الأحداث.
مثل كل مرة، ينظر كثيرون إلى مثل هذه العمليات على أنها تعبير عن إرادة بفتح جبهات أخرى أمام كل إخفاق يواجه التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، ولكنها كلها تؤكد كسر «عقدة الخوف» من الدولة في الأردن وأجهزة الأمن المشهورة بقوتها في هذه القضايا، كما تؤكد أن الخلايا النائمة في المملكة لا تزال بعدد كبير، ومستعدة لمواجهة من أي نوع كانت.
كذلك من المهم الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من سكان الكرك هم من المسيحيين، علماً بأن رئيس مجلس النواب ورئيس الديوان الملكي هما من المحافظة، ويأتي هذا العمل بعد تفجير الكنيسة في القاهرة قبل أيام، ولا يستبعد أن يكون ضمن سياق إقليمي عام يريد «داعش» صنعه في المرحلة المقبلة يخصّ المسيحيين، فضلاً عن أن استهداف قطاعات السياحة ليس بالأمر الجديد.
وكما كل حدث أمني، تجددت الدعوات إلى الحكومة الأردنية لـ«وضع حدّ للأفكار التكفيرية ومنع خطباء المساجد من بثّ الفتن والتكفير، وإجراء تغييرات جذرية على المناهج المدرسية، ومنع النشاطات الداعمة للإرهاب في سوريا والعراق»، إلى جانب «ضرب الحواضن الرئيسية للإرهاب، خاصة بعد تكرار العمليات الإرهابية من إربد في الشمال إلى البقعة في الوسط واليوم في الكرك جنوباً».
كذلك دعا سياسيون كثر، خلال إطلالاتهم الإعلامية أمس، إلى مراجعة عمان علاقاتها الخارجية وإعادة تموضعها ضمن المحور الذي يريد أمنها واستقرارها، وليس ضمن المحور الحالي. كذلك ركزوا هجومهم على حكومة هاني الملقي، التي رأوا أنها هزيلة وغير شعبية، مطالبين بإقالتها وتشكيل حكومة من شخصيات ذات كفاءة وغير مسيّسة، «مهمتها استعادة ثقة الشارع».
إلى ذلك، نقل الناشط السياسي ناصر حباشنة (يسكن قرب القلعة) صورة للمشهد هناك، قائلاً في حديث إلى «الأخبار» إن حالة توتر شديد وغضب سادت المدينة خلال الاشتباكات، كذلك تجمع آلاف المواطنين عند أبواب المستشفيات الرئيسية في المدينة للتبرع بالدم للجرحى. وأضاف حباشنة أن مجموعات كبيرة من رجال المدينة أخرجت أسلحتها الشخصية لمساندة رجال الأمن الذين طوّقوا القلعة حيث تحصّن المسلحون، وعبّر هؤلاء عن دعمهم لرجال الأمن في ضرب المجموعة المسلحة.