تتجه العلاقات المصرية ــ السعودية إلى مزيد من الاحتقان، إذ باتت مجمل المعطيات تؤشر على جدية خلاف الرياض مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي. فبعد يوم واحد على وقوف السعودية إلى جانب قطر في مجلس التعاون الخليجي دفاعاً عنها عقب «الزج باسمها في حادث تفجير الكنيسة البطرسية» الذي وقع الأسبوع الماضي، زار، يوم الجمعة، مستشار الملك سلمان في الديوان الملكي، أحمد الخطيب، «سد النهضة»، في إطار زيارة كان يقوم بها لإثيوبيا.


وكان لافتاً أنّ وكالة «الأناضول» التركية، شبه الرسمية، هي من كشف عن زيارة المسؤول السعودي الرفيع إلى السد الذي يثير الخلافات بين مصر وإثيوبيا باعتباره يهدد الأمن القومي المصري.
وبينما أثار الكشف عن الزيارة الإعلام المصري الذي وجّه انتقادات واضحة إلى السعودية، أعلن مصدر دبلوماسي مصري لـ»الأخبار» أنّ «الغرض من التحرك السعودي بزيارة سد النهضة استفزاز الإدارة المصرية التي سبق أن استعانت بالرياض في هذا الملف»، مشيراً إلى أنّ «هذا التحرك يزيد من توتر العلاقات بين البلدين، ولا يدعم الاتجاه إلى المصالحة الذي يتبنّاه عدد من الوسطاء العرب».
وفي السياق، نقلت صحف مصرية عن وزير الري الأسبق، محمد نصر الدين علام، هجومه على السعودية، قائلاً إنّ «زيارة الخطيب تعدُّ تحركاً خاطئاً، وتشكل سابقة خطيرة، وتُعتبر رداً على الخلافات الحالية بين القاهرة والرياض، واستكمالاً لمسلسل التراجع عن الالتزامات السعودية بتوفير الامدادات البترولية لمصر بموجب اتفاق تعهدت به شركة أرامكو السعودية الحكومية (وقفت في بداية تشرين الأول الماضي)».


مصدر دبلوماسي:
السعودية تستفزّنا بما لا يدعم جهود المصالحة بيننا

وأضاف علام أنّ الزيارة تندرج في سياق «استكمال الطموحات السعودية بالاستثمار في إثيوبيا ضمن مجموعة من المشروعات الزراعية»، لافتاً إلى أن «الاستثمارات السعودية في إثيوبيا تتجاوز 13 مليار دولار، أغلبها في مشروعات زراعية مروية، يتم تصدير منتجاتها إلى السعودية، وخاصة زراعات الأرز». وشدد وزير الري المصري الأسبق، الذي وصف الزيارة بأنها «مكايدة»، على أن «أي خلافات بين الحكومة المصرية والسعودية أو القيادتين في البلدين يجب ألا تنعكس في تصرفات غير مسؤولة تهدد مصالح الشعبين، من خلال التلويح بالتعاون مع دولة تهدد الامن المائي للمصريين».
بدوره، رأى نائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات»، هاني رسلان، أنّ الزيارة السعودية للسد «لها بعد سياسي وإشارة إلى القاهرة أن المملكة دخلت في مرحلة الانتقام من مصرعلى خلفية موقفها من القضية السورية، وأنها تجاوزت كافة الخطوط الحمراء، وتقف مع أديس أبابا في قضيتها ضد القاهرة»، فيما رأى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة، طارق فهمي، أنّ الزيارة «تعكس دعماً سياسياً سيقدم إلى أديس أبابا، ومناكفة مباشرة للقاهرة نتيجة مواقفها من القضية السورية».
على الجانب السعودي، وفيما لم يصدر أي توضيح، حاول الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي ــ الذي للإشارة يلعب دوراً مهماً ضمن سياسات تطبيع علاقات السعودية مع إسرائيل ــ التخفيف من أهداف الزيارة، قائلاً في حديث صحافي إنّ «الهدف بحث العلاقات والمشاريع الاقتصادية بين الرياض وأديس ابابا... ولا تعني مكايدة سياسية مع مصر أو انتقاما منهاً، بسبب موقف الأخيرة تجاه القضية السورية».
وفيما رأى بعض الخبراء أنّ ما جرى يعني أنّ الرياض قررت التلويح للقاهرة بنفوذها في شرق أفريقيا، كان لافتاً قيام الرئيس المصري بزيارة مفاجئة أمس إلى أوغندا (إحدى دول حوض النيل)، حيث بحث مع نظيره يوري موسيفيني «زيادة المشروعات المائية بين البلدين، وعلى رأسها مشروع الربط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر الأبيض المتوسط»، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.
وأكد السيسي، وفق البيان، «حرص مصر على تفعيل عمل لجنة مشتركة بين البلدين وعقدها في أقرب فرصة، وإقامة مزيد من المشروعات التنموية المشتركة، وخاصةً في قطاعات الطاقة، وإدارة الموارد المائية والري، والزراعة والثروة الحيوانية». ونقل البيان عن الرئيس الأوغندي قوله إن زيارة السيسي تعدّ أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس مصري إلى أوغندا، معرباً عن اتفاقه مع الأخير على أهمية تفعيل عمل اللجنة المشتركة. وأكد الرئيسان «التزامهما بمواصلة الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار والتنمية في أفريقيا، وخاصةً في منطقة حوض النيل، ومنطقة البحيرات العظمى والقرن الأفريقي». وعقب انتهاء المباحثات، وقّعا «مذكرة تفاهم بشأن المشاورات الدورية السياسية والدبلوماسية بين البلدين»، وعقدا بعد ذلك مؤتمراً صحافياً مشتركاً.
وتتخوف القاهرة من تأثير «سد النهضة» على حصتها السنوية من مياه النيل (55.5 مليار متر مكعب)، بينما يؤكد الجانب الإثيوبي أن السد سيمثل نفعاً له، خاصة في مجال توليد الطاقة، وأنه لن يمثل ضرراً على السودان ومصر. وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي المصري لـ»الأخبار» إنّ «تحرك الرياض في ملف السد لن يجعل القاهرة تلجأ إليها مجدداً لتخفيف حدة التوتر مع الجانب الأثيوبي»، مشيراً إلى أن مصر «تتحرك بقوة في الملف الأفريقي لاستعادة مكانتها، وهو ما ظهر بوضوح في زيارة الرئيس السيسي لأوغندا، التي تندرج في سياق زيارات أفريقية ستتكرر خلال الأشهر المقبلة».
(الأخبار، الأناضول)