لا تُعد فكرة «الاندماج» بوصفها وسيلةً للهروب إلى الأمام جديدةً على أجواء المجموعات المسلّحة في سوريا. ويمكن قسمة «الاندماجات» التي شهدتها الساحة على امتداد السنوات المنصرمة من عمر الحرب إلى قسمين أساسيين: الأوّل دفعت إليه الدّول الإقليميّة «الدّاعمة» وساد هذا النمط بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الأولى (من أمثلته تشكيل «الجبهة الإسلاميّة السوريّة» في تشرين الثاني 2011). ومنذ عام 2014 لم يدخل على مشهد المجموعات المسلّحة أي «اندماج» مؤثّر، باستثناء «جيش الفتح» الذي وُلد في آذار 2015.


ومثّل الأخير حالةً نادرة لجهة نجاحه في تحقيق «إنجاز» وفق منظور المعارضة تمثّل بالسيطرة على محافظة إدلب. لكنّ هذا «الإنجاز» سرعان ما انقلب إلى لعنة ولّدتها هيمنة نزعة السيطرة عند معظم المجموعات، وعلى رأسها «جبهة النصرة» التي سارعت إلى إعلاء راية تنظيم «القاعدة» من دون أن يثير ذلك حفيظة أي من المجموعات المكوّنة لـ«الفتح». الحفيظة ثارت فعليّاً بمرور الوقت واتضاح نزوع «النصرة» نحو الاستئثار بالسلطة، ما أفرز تصدّعات داخل «الفتح» فرّغته من فائض القوّة الذي استشعره إبّان السيطرة على إدلب. القسم الثاني من الاندماجات يمكن تصنيفه تحت خانة «الهروب إلى الأمام» عبر تشكيل «كيانات جامعة» و«غرف عمليّات» إثر كل هزيمة مُنيت بها المجموعات المسلّحة في مناطق مختلفة. وإلى القسم الأخير تنتمي المساعي التي كثّفها عدد من «الشرعيين» و«الشيوخ» و«المُنظّرين» خلال الأيّام الأخيرة أملاً بتحقيق «اندماج» يلملم آثار هزيمة حلب، و«يحصّن إدلب من مصير مُشابه» وفقاً لما قاله أحد «الشرعيين» الساعين إلى إنجاح المشروع لـ«الأخبار». وليست فكرة «الاندماج» الموعود جديدةً، بل هي في الواقع كانت إحدى النتائج المتوخّاة لخطوة «فك الارتباط» الشهيرة التي أعلنت «جبهة النصرة» بموجبها التخلي (صوريّاً) عن الارتباط بتنظيم «القاعدة». وإثر «فك الارتباط»، وصلت مساعي «الاتحاد» إلى ذروتها في آب الماضي على وقع الانشقاقات المتتالية التي لحقت باثنتين من كبرى المجموعات: «فتح الشام/ النصرة» و«حركة أحرار الشام الإسلاميّة». (راجع الأخبار، العدد 2967)
. غيرَ أن الفكرة طويت بعدما لاحت مؤشرات على أنها ستقود إلى نتائج عكسية وتولد مزيداً من الانشقاقات بدلاً من أن تفضي إلى احتوائها، قبل أن يعود الحديث بقوّة عن إحيائها أخيراً في ضوء مآلات معركة حلب. وعلى امتداد الأسبوع الأخير، شهدت مناطق سيطرة المجموعات في كل من إدلب وحماة عدداً من الاجتماعات والمشاورات المكثّفة، أملاً بتحويل «الحلم» إلى واقع. وبحث قادة أربع عشرة مجموعةً مسلّحة، على رأسها «النصرة» و«أحرار الشام» و«حركة نور الدين زنكي»، خلال تلك الاجتماعات تشكيل «كيان إسلاميّ جامع» تحت اسم «الهيئة الإسلاميّة السوريّة». ووصل الأمر بـ«المتفائلين» إلى حدّ القول إن «إعلان التشكيل بات مسألة وقت فحسب». لكن كواليس المحادثات التي اطّلعت «الأخبار» على جزء مما يدور فيها توحي خلاف ذلك. ويقول «شرعي» محسوب على «أحرار الشّام» إنّ «كل الإخوة متفقون على الغاية النهائيّة المتوخّاة، لكن هناك مخاوف كثيرة من الإقدام على خطوة متسرّعة وغير مدروسة قد تؤدّي إلى نتائج معاكسة». وعلمت «الأخبار» أنّ «جبهة النصرة» جدّدت وضعها شرطاً استمرّت في التمسّك به منذ «فك الارتباط» ووضعه على الطاولة مع كل محادثات من هذا النوع، ويتعلّق بـ«أحقيّة النصرة في تزعّم أي كيان جامع». ويدفعُ أبو محمد الجولاني وكبار «شرعييه» ومستشاريه بأنّ «هذا الوعد قطعه على أنفسهم معظم قادة المجموعات، وعدد من الداعمين في خضم الحديث عن فك الاندماج». ويشعر الجولاني بأنّه تعرّض لخديعة بعدما «نكث الداعمون» بوعودهم وذهب «الفك» أدراج الرياح، بل عاد بانعكاسات سلبيّة عبر انشقاقات مؤثّرة طاولت «الجبهة». ودفع فشل «الاندماج» سابقاً إلى انكماش «أصحاب النزعة القُطريّة» داخل «الجبهة» (وهم الداعون إلى تبنّي نهجٍ شبيه بنهج حركة «طالبان» وقصر نشاط واهتمام الجبهة بالجغرافيا السورية وتقليص نفوذ «الجهاديين» الأجانب)، في مقابل عودة هيمنة دعاة «عولمة الجهاد» في «النصرة» والداعين إلى تعزيز مكانة «المهاجرين» والتمسك بـ«نهج أبو مصعب الزرقاوي». وعزّز من تزايد سطوة هذا التيار عودة تنظيم «جند الأقصى» إلى صفوف «الجبهة» في تشرين الأول الماضي.
(ألأخبار، العدد 3004). وتفيد معظم المعطيات بأنّ نجاح جهود «الاندماج» الأخيرة بات أمراً شبه مستحيل، ولا سيّما في ضوء تمسك الجولاني بأحقيّته في تزعّم الكيان الجديد. في المقابل، وُلدت أوّل من أمس فكرة جديدة مفادُها السعي إلى تشكيل «الهيئة الإسلاميّة» من دون مشاركة «النصرة». لكنّ هذه الجهود اصطدمت مجدّداً بتنافس (غير معلن) بين «أحرار الشام» و«حركة نور الدين زنكي». وعلى الرغم من التصدع الذي يعصف بصفوف «أحرار الشام» (الأخبار، العدد 3056)، غير أنّ قادتها ما زالوا يرون أنّ كل المجموعات ليست ندّاً لها، باستثناء «النصرة». وأدّى ذلك إلى البحث عن تحقيق «الاندماج» مع استثناء «أحرار الشام» هذه المرّة، لتقتصر المجموعات المتفاوضة حاليّاً على «نور الدين زنكي»، «ألوية صقور الشام»، «جيش المجاهدين»، «فيلق الشام»، «جيش الإسلام»، و«تجمع فاستقم كما أُمرت».