وعدتني أم محمود بأن تختار لحظة تكون فيها قادراً على رؤيتنا، لكن الوقت دهمها، وكذلك الحياة. فقبل أن نراك، اكتملت دورة الحياة لديك برحيلك عنا.

رحلت، وأنا لا أشك للحظة في أنك رحلت وأنت تبتسم تلك الابتسامة التي لازمتك طوال حياتك النضالية. ابتسامة هادئة متواضعة تضفي على معالم وجهك الجادة، عمق الرؤية، وهدوء المواجهة، والإصرار على القتال، مهما كانت الصعاب.

ابتسامتك الهادئة تلك ميزتك، لأنها كانت عنوان حكمتك وعمق تفكيرك، وإصرارك على التصدي والمقاومة بالهجوم على العدو دون أن تسمح للعدو بأن ينال منك.
حكمتك وتفحصك للعدو وأساليب عمله جعلت من رأيك مرجعاً، ومن موقفك مثالاً يُحتذى به. البعض كان يرى في ذلك مبالغة في الحيطة، لكن الحقيقة قالت إن حكمتك جنبت المعسكر القومي الوطني خسائر كان من الممكن أن تنال منه.
تعرفتُ إليك قبل اثنين وخمسين عاماً، وكنتُ ــ دون توجيه من أحد ــ ألجأ إليك لأستمع منك إلى شرح، ولآخذ منك نصيحة، ولأرى الطريق أوضح. كانت تقودني ساقاي إلى شقتك الصغيرة في كورنيش المزرعة، لأشرب القهوة معك، ولأسمع منك الرأي في مسألة أو معضلة أو توجه.
بدأنا الحديث عن الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، ودور شباب القوميين العرب في ذلك. وتحدثنا عن عبد الناصر وموقفه من الكفاح المسلح وتجربتك عندما كنت وزيراً بقيادة عبد الناصر في فترة وحدة مصر وسوريا، وكنت باستمرار من المعبئين للقتال ومن المدافعين العنيدين عن ضرورة الإتقان في محاربة العدو.
ولا أنسى ذلك اللقاء الذي سعيتُ أنا له قبل توجهي إلى دورة تدريبية، وقلت لي: "إن الانتصار على العدو يتطلب الإتقان والتفاني والإرادة، والإتقان يبدأ بمعرفة العدو وأساليبه وخبثه ودهائه. ويعني أن تعرف أين هي نقاط ضعفه وتتقن إصابتها لأنها تعطبه".
وكنت أرى كيف كان يسرع إليك آخرون من الشباب القومي العربي للاستماع إلى رأيك الموزون والمدروس والحكيم.
كنت أرى جهاد ضاحي، والهيثم الأيوبي، وأكرم صفدي، وفتحي كتكانة، وكلهم من سوريا، كذلك كنت أرى وديع حداد، وزكي هللو، وجورج حبش، وباسل كبيسي، وأسعد عبد الرحمن، يزورونك للغاية نفسها.
منذ الخمسينيات وأنت تعلم وتعلّم أنّ ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. ومنذ قيام دولة إسرائيل، وأنت تدعو إلى تنظيم الصفوف بدقة أكبر والتعلم من أساليب التنظيم لدى العدو. وبعد قيام "الجبهة الشعبية" كنت عقلاً مفكراً وهادئاً وحكيماً لدعم هذه التجربة، وساعدت كثيراً في إرساء معالم مدرسة أمينة تتخصص في معرفة العدو ونقاط ضعفه. وبقيت بهدوء وصمت، فاعلاً ومؤثراً ومرشداً، دون أن تلفت نظر أحد.
وشرعت في العمل على دراسة التجربة القومية، وتجميع وثائق ووقائع نشوئها في المرحلة ما بعد نكبة فلسطين، وتأسيس حركة القوميين العرب، وتمكنت من إصدار مراجع للأجيال القادمة عن تلك التجربة التي كانت تنمو متمحورة حول مبدأ واحد، الوحدة العربية طريق القتال للانتصار على أعداء الأمة العربية.
فقدت برحيلك ملجئي الذي كنت أسرع إليه كلما تأزمت الأمور أو تعقدت مشكلة أو ساد الضباب، فعزّت الرؤية.
وبرحيلك أكون قد فقدت معلمي جورج حبش، وقائدي وديع حداد، والرجل ذا الرؤية الثاقبة والهادئة في وثوقها من الانتصار، هاني الهندي.

يا أبا محمود،
في آخر لقاء لنا في بيتك في عمان، تحدثنا عن المستقبل، وتحدثنا عن أهمية تعريف شعبنا بتاريخ نضالك وآرائك وإنجازاتك ورؤيتك للمستقبل. وابتسمت حينها، بالطريقة نفسها، وقلت لي: أنا موافق، لما في ذلك من دروس لبناء مستقبل حلمنا ونحلم ببنائه. وكانت إنعام، أم محمود، ترنو إليه ونظرات الحب والاحترام والتقدير للمناضل هاني الهندي تشعّ من عينيها. فقد ناضلت أم محمود معك، ولا شك في أنها تشعر بوحدة بغيابك، لكنها الحياة تكمل دورتها، ويبقى نضالك ذخيرة للأجيال، وأخلاقك الحميدة نبعاً لا يرتوي منه الإنسان، وستبقى مع الأجيال نضالاً وفكراً وحكمة وإيماناً راسخاً لا يتزعزع بوحدة الأمة العربية وبقدرتها على النهوض والتطور والانتصار.
تألمت في آخر أيامك للمؤامرة التي تتعرض لها سوريا، وكنت على يقين بأن ما يجري هو جزء لا يتجزأ من معركة الأمة العربية مع الصهيونية والإمبريالية ومخططاتهما لتمزيق الأمة وابتلاع فلسطين. سنبقى يا أبو محمود على العهد نقاتل من أجل وحدة أمتنا وتحرير وطننا واقتلاع ما زرع على أرضنا من بؤر عنصرية توسعية. وسنبقى أوفياء لما آمنا به سوياً وناضلنا من أجله سوياً، ونستشهد في سبيله.
*كاتب سياسي فلسطيني