إسطنبول | دخلت أزمة شرعية القيادة في «جماعة الإخوان المسلمين»، في مصر، منحى جديداً، في ظل تمسك كل من الطرفين المختلفين بموقفه منذ سنوات، وذلك بعدما أعلن محمد منتصر، أول من أمس، انقلابه على التنظيم، وهو محسوب على «جبهة محمد كمال»، القيادي الإخواني الذي قُتل مطلع تشرين الأول الماضي، وتنسب الدولة إليه مسؤولية استهداف ضباط وزارة الداخلية في مصر، وتبني مواجهة نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، سواء في الوادي أو الدلتا.


منتصر، الذي يُعَدّ المتحدث الإعلامي باسم «جبهة كمال»، سبّب صدمة داخل الجماعة، بإعلانه انتهاء اجتماع «مجلس شورى الإخوان» داخل مصر للمرة الأولى منذ إطاحة الرئيس محمد مرسي. وأعلن منتصر أن الاجتماع، الذي عُقد قبل أيام قليلة، خلُص إلى اختيار قيادات جديدة، منها المراقب العام في مصر، إضافة إلى الاتفاق على الفصل بين الإدارة التنفيذية للجماعة الممثلة في «مكتب الإرشاد»، و«الهيئة الرقابية التشريعية» الممثلة في «مجلس الشورى العام».
ومن المقرر، بناءً على ذلك، أن تظهر في المرحلة المقبلة قيادات جديدة، على أن يبرز منصب المراقب العام في مصر، بدلاً من منصبي نائب المرشد والقائم بأعماله اللذين كان يتولاهما كل من إبراهيم منير في لندن ومحمود عزت في القاهرة. وهذا يعني أن منتصر وجبهته ينسفان كل مناصب القيادة التاريخية وينقلبان كلياً على القيادة الحالية.
رغم ذلك، سيستمر محمد بديع، المعتقل في السجون المصرية، في موقعه مرشداً عاماً لـ«الإخوان»، فضلاً عن احتفاظ جميع أعضاء مكتب الإرشاد المعتقلين بمواقعهم حتى خروجهم. كذلك، أعلن منتصر انتخاب مجلس الشورى العام، ومن بين أعضائه الرئيس والوكيل والأمين العام.
الانقلاب الجديد على السلطة التاريخية جاء عقب اجتماع لمجلس شورى الجماعة في تركيا بقيادة الأمين العام للجماعة محمود حسين، قبل أسبوعين، وناقشوا فيه سبل التصالح مع النظام المصري، وتنحية كل القيادات في الخارج عن إصدار أوامر للداخل الإخواني، ونزع سلطتهم على تدوير أوامر التنظيم.
بمجرد إعلان منتصر قراراته الجديدة، خرجت «جبهة محمود عزت» ببيان على لسان المتحدث الإعلامي طلعت فهمي، يرفض الاعتراف بهذه القرارات، مضيفاً أنه لا صحة للأخبار عن انعقاد «مجلس الشورى العام» في القاهرة. وشدد فهمي على إعفاء منتصر من مهمة المتحدث الإعلامي منذ الرابع عشر من كانون الأول العام الماضي.
وأضاف البيان أن المتحدثين الرسميين في «جبهة عزت» هم القائم بأعمال المرشد العام، في إشارة إلى محمود عزت، ونائب المرشد العام، إبراهيم منير في بريطانيا، ورئيس «اللجنة الإدارية العليا»، والأمين العام محمود حسين، فضلاً عن المتحدثين الإعلاميين.
لكنّ ما أغفله فهمي، أنّ انقلاب منتصر ليس انقلاباً من الداخل، بل إعلان سلطة جديدة بدأها بـ«المضي في إعداد قواعد الإخوان للتصدي للسلطة من خلال القوة، وتهيئة الأفراد بدنياً وذهنياً وجسدياً»، وهو ما تضمنته مسوّدة لوثيقة وُزّعت على القواعد الجديدة بصورة سرية، ونشرتها «الأخبار» على موقعها أمس، تتضمن فلسفة التغيير الجديد للجماعة.
وثيقة القيادة الجديدة، التي سرّبتها قيادات إخوانية تقيم في الخليج، تتكون من قرابة 25 صفحة تتناول بالتفصيل ماهية الإخوان وتاريخهم السياسي، فضلاً عن تفاصيل النزاع الدائر بين القيادتين الحاليتين، وآليات حلها في الماضي وكل المبادرات في هذا الإطار.


تراهن «جبهة عزت» على رفض
القواعد الإخوانية الاستجابة للانشقاق


مما ورد في الوثيقة، التي ستمثل قاعدة العمل الجديدة: «نحن مع الخيار الثوري المضبوط بضوابط الشرع، ونرى أن امتلاك أدواته واجب والقعود عنه تقصير وتفريط، ومن أجمل ما قيل فـي ذلك قول الشيخ الشعراوي: الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد، فنحن مع الثورة حين الهدم، ومع الإصلاح حين البناء».
تحت عنوان «الإخوان والقوة في مسودة القيادة الجديدة»، ورد أيضاً: «يتساءل كثير من الناس، هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يفكر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا في وضوح وفي جلاء، فليسمع من يشاء: أما القوة، فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته».
جاء كذلك في الإجابة عن السؤال نفسه: «إن الإخوان سيستخدمون القوة العملية، حيث لا يجدي غيرها، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولاً ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح».
وعاود منتصر في بياناته، التي تلت الاجتماع، دغدغة مشاعر التيار الساعي إلى التغيير داخل الجماعة، بالقول إنه اختير أمين لمجلس الشورى الجديد من شريحة الشباب، لما لهذا الانقلاب من تبعات ضخمة في الفترة المقبلة. كذلك، إن انقلاب منتصر وفريقه الحالي هو أوضح عنوان لمسؤولية فريق محمد كمال ورفاقه الحاليين عن العنف داخل البلاد، والمتمثل في استهداف السلطة وضباطها، وهذا ينسف المساعي التي بذلها فريق عزت مع السعودية وبريطانيا لتهيئة الأجواء للتصالح مع السلطة الحالية.
في المقابل، يعوّل فريق عزت على رفض قواعد «الإخوان» الاستجابة لانشقاق جبهة منتصر، وحصر الأمر في خلافات نخبوية على مستوى القيادة، وهو ما رصدت «الأخبار» ملامحه في تواصلها مع قيادات إخوانية من الصف الثالث والرابع في مصر، أكدوا أنهم لم يعلموا بأي تفاصيل خاصة عن اجتماع الشورى في القاهرة.

■ للاطلاع على الوثيقة انقر هنا




منتصر المنحاز إلى الشباب... والعنف

كان التعيين الأول لمحمد منتصر متحدثاً باسم «الإخوان المسلمون» قد وقع في كانون الثاني 2015، بدعوى تمكين الشباب داخل الجماعة وترقيتهم إلى المناصب العليا في التنظيم، وحدث ذلك استجابة لدعوات ضخمة من شباب «الإخوان» بضرورة تنحية القيادات التاريخية عن صدارة المشهد في الجماعة. لكن تعيين منتصر سبّب أزمة داخل صفوف الجماعة، خاصة مع تبنيه الرؤية الداعية إلى الصدام المسلح مع السلطة في مصر.
في أيار 2015، اشتدت الأزمة بين عناصر الإخوان وقياداتهم المتمثلة في محمود حسين ومحمود عزت، خاصة لدى الشباب الرافضين لسياسة التنظيم التي تتمحور حول السلمية، فانضم منتصر إلى الدعوات المطالبة باستخدام السلاح ضد الدولة.
لكن «جبهة محمود عزت» المتنفذة أعلنت في كانون الأول 2015 إحالة منتصر على التحقيق وفصله من منصبه، ليرفض الأخير القرار ويستمر في عمله لساناً إعلامياً لـ«جبهة محمد كمال»، الذي اغتالته وزارة الداخلية منذ أشهر قليلة بعدما اتهمته بالمسؤولية عن خلايا العنف التي تستهدف ضباطها والجيش في العاصمة القاهرة.
(الأخبار)