القاهرة | دخلت العلاقات المصرية ــ السعودية في منعطف يعدّ الأخطر منذ بداية التوتر الدبلوماسي بين العاصمتين قبل نحو ثلاثة أشهر، والذي يقول متابعون إنّ سببه هو موقف القاهرة من الأزمة السورية في مجلس الأمن.

آخر فصول التوتر وأخطرها، ظهر عقب زيارة مستشار الملك سلمان لـ»سد النهضة» الإثيوبي يوم الجمعة الماضي، والذي تعترض القاهرة على مواصفات بنائه، إذ ترى فيه تهديداً لحصتها من مياه النيل. ولعلّ منسوب حساسية الدبلوماسية المصرية قد ارتفع، لأن زيارة مستشار سلمان جاءت قبل ساعات فقط من زيارة وزير خارجية قطر إلى أديس أبابا لعقد لقاءات مع كبار المسؤولين، وهي زيارة تُعتبر الأولى منذ سنوات، وترى القيادة المصرية فيها دلالات عدة مرتبطة بممارسة مزيد من الضغوط على القاهرة.
دبلوماسي مصري تحدثت إليه «الأخبار» يقول إنّ «الخارجية المصرية المعنية بالملف في المقام الأول، باتت تستمع إلى وجهتي نظر في ما يتعلق بالعلاقات مع الرياض: الأولى قائمة على ضرورة عقد جلسات حوار ومصارحة بين البلدين، وهو تيار يتبناه سفير المملكة في القاهرة أحمد القطان، وعدد من كبار المسؤولين في الحكومة السعودية، في مقابل تيار آخر يتبناه الشباب المساندون لولي ولي العهد، محمد بن سلمان، يشدد على ضرورة اعتذار مصر جراء ما حدث في ملف قضية تيران وصنافير، وعلى تسليم الجزيرتين لتكونا تحت يد السلطات السعودية قبل البدء في أي مفاوضات، وهو التيار صاحب القرار في الوقت الحالي... ما زاد من التوتر».
وعلمت «الأخبار» أنّ وزارة الخارجية المصرية أبلغت الرئاسة، في تقرير أخير لها، أنّ «تيار محمد بن سلمان هو الأكثر نفوذاً في الحكم خلال الفترة الحالية، وأنّ على مصر التعامل مع المعطيات الجديدة التي فُرضت عليها»، مستبعدة في الوقت نفسه أن يكون هناك «أي تحسن سريع في ظل استمرار رفض مصر تسريع وتيرة إجراءات تسليم الجزر التي قررت المحكمة الإدارية العليا ــ أعلى جهة إدارية ــ تأجيل الفصل في نقل تبعيتها إلى السعودية» حتى جلسة 16 كانون الثاني المقبل، وسط توقعات بإصدار حكم قضائي ببطلان الاتفاقية التي وقّعها بن سلمان خلال زيارة الملك السعودي لمصر في شهر نيسان الماضي.


ترتاب دوائر
الخارجية المصرية
من التقارب بين بن سلمان والدوحة

في ظل هذه الظروف، فإنّ مصدراً دبلوماسياً آخر يشير في حديثه إلى «الأخبار» إلى إمكانية «عقد لقاء بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ونظيره المصري سامح شكري، قريباً، وهي الخطوة التي قد يكون من شأنها تخفيف حدة التوتر». لكن المصدر يتحدث عن صعوبات نتجت أخيراً «بسبب عدم وجود توضيحات من السعودية حول زيارة مستشار سلمان للسد الإثيوبي، وبسبب الحديث عن إمكانية حصول المملكة على الكهرباء من السد، وهو ما يعني دعماً سعودياً لإنجاز المشروع الذي يتعارض مع المصالح المصرية بشكل مباشر». ويشير إلى أنّ «مصر لن تطلب توضيحاً من الرياض حول هذا الأمر»، لكنها في الوقت نفسه «تتعامل معه بشكل جاد، خاصة أن مواقف السعودية في هذا الملف باتت لا تختلف كثيراً عن مواقف تل أبيب التي تدعم مشروع السد منذ سنوات».
أما عن الموقف القطري، فيلفت المصدر الدبلوماسي الرفيع إلى أنّ «محمد بن سلمان يجد تنسيقاً كبيراً في المواقف مع الدوحة، وهو ما يشكل تحدياً جديداً للإدارة المصرية في حال وصول ولي ولي العهد إلى السلطة قريباً، كما هو متوقع». ويؤكد أيضاً أنّ «هناك استغراباً في الدوائر السياسية المخضرمة من التصرفات غير المسؤولة والعناد الذي يتبعه الملك المنتظر في التعامل مع مصر، والذي ستكون عواقبه وخيمة على البلدين».
وحول ما إذا كانت الاتفاقات التي أبرمت للاستثمار في مصر قد تأثرت، يشرح المصدر أنّ غالبية تلك الاتفاقات تمت عرقلتها، أو تأخير حسمها، باستثناء المشروعات المرتبطة بـ»الأزهر» التي تم تنفيذ غالبيتها، مستدركاً بأنّ «استقبال شيخ الأزهر للسفير السعودي (أمس) لا يحمل أي أبعاد سياسية، إذ يتم التعامل مع الأزهر كجهة مستقلة بعيداً عن مؤسسات الدولة المصرية».
وفي نقطة مهمة، فإنّ المصدر يوضح أنّ «غالبية الاستثمارات المدعومة من شخصيات محسوبة على محمد بن سلمان قد أوقفت بشكل كامل، عقب التوقف عن إمداد البترول من خلال شركة أرامكو». ورغم «الضغوط» التي يمارسها بن سلمان، فإنّ المصدر الدبلوماسي يشير إلى أنّ الأسلوب المتّبع «لن يغيّر الموقف المصري، سواء في الأزمة السورية أو الأزمة اليمنية، وستُبقي القاهرة على تواصل مع جميع الأطراف، بلا استثناء».