قبل شهر من خروجه من الإدارة الأميركية، حرص وزير الخارجية، جون كيري، على تقويم تجربته في قيادة دبلوماسية بلاده على مدى السنوات الماضية، من خلال الركون إلى صفحات صحيفة «ذي بوسطن غلوب» الأميركية.

المقابلة التي أجراها مات فايزر مع كيري تحوّلت إلى فرصة للحديث عن «إرثه»، الذي يشكل امتداداً لـ«إرث» رئيسه باراك أوباما. ولكن كما بالنسبة إلى أوباما، شكلت الأزمة السورية «نقطة سوداء» في سجل كيري، وعرقلت إكمال ما شرع بالعمل عليه، من مساعٍ لإعادة تموضع بلاده في المنطقة. وهي بالتالي أبقت ثغرة في صفحات «الإنجازات» التي حاول تركها وراءه.

وأكبر دليل على ذلك هو كلامه مع «بوسطن غلوب»، أول من أمس، حيث أعرب عن أسفه لفشل الاتفاق بين واشنطن وموسكو بشأن سوريا، عازياً الأمر إلى «انقسامات» داخل الإدارة الأميركية. «للأسف كانت ثمة انقسامات داخل صفوفنا، ما جعل تنفيذ ذلك (الاتفاق) أمراً في غاية الصعوبة»، قال كيري، مضيفاً أنه كان يؤمن بنجاح الاتفاق الذي تفاوض بشأنه شخصياً مع الجانب الروسي.
معد التقرير مات فايزر، أشار إلى أن «صدام» كيري مع وزير الدفاع آشتون كارتر، هو الذي حال دون تنفيذ الاتفاق بشأن إجراء عمليات عسكرية مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا، الأمر الذي عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي، لافتاً إلى أن «الأوان قد فات على ما يبدو، نظراً إلى ما وقع في حلب». لكنه أكد أن «الحقيقة هي أننا توصلنا إلى اتفاق كانت روسيا ستمنحنا بموجبه، حظراً على تحليقاتها وتصرفاتها في المنطقة، في حال قيامنا بجهد مشترك». وأضاف: «الآن هناك أناس في حكومتنا يعارضون بشدة هذه الفكرة... أنا آسف لذلك، أظن أن ذلك كان خطأ. وأظن أن الوضع كان سيختلف بصورة جذرية عمّا هو عليه الآن لو استطعنا فعل ذلك».


الاتفاق مع إيران سيبقى قائماً وفقاً لأسبابه الموجبة

كيري يعود في تصريحاته هذه إلى أيلول الماضي، حينما أدت المفاوضات التي أجراها مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في جنيف، إلى توقيع اتفاق شامل بين موسكو وواشنطن يهدف إلى وقف الأعمال العدائية في سوريا، ووضع أسس لاستئناف العملية السياسية في البلاد. وكان أحد بنود الاتفاق قد نص على إقامة مركز روسي ــ أميركي مشترك سيعمل ضمنه عسكريون وممثلو أجهزة الاستخبارات الروسية والأميركية، على تنسيق العمليات العسكرية ضد الإرهابيين وفصلهم عن المعارضين.
أما عن إنجازاته الأخرى، فيتغنّى الوزير السبعيني، الذي بدأ عمله مع أوباما منذ عام 2013، بتوقيع الاتفاق النووي مع إيران، وبالحض على توقيع الاتفاق المتعلّق بالتغيّر المناخي، وبالانفتاح على كوبا، والسعي لإتمام معاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ.
ولكن عندما يصل الحديث إلى الإدارة المقبلة برئاسة دونالد ترامب، يصبح الاتفاق النووي مهدداً بسبب مواقف ترامب المعارضة له، والأمر نفسه يسري على الاتفاق بشأن التغيّر المناخي الذي سخر منه الرئيس المنتخب، فيما يقف هذا الأخير مع أعضاء الكونغرس في وجه استكمال معاهدة التجارة عبر المحيط الهادئ، ويهدّد بإعادة فرض عقوبات على كوبا، وإزالة أخرى عن روسيا.
من هنا، لا ينهي كيري ثلاث سنوات كوزير للخارجية، ولكن 34 عاماً من العمل العام. إلا أن الشغل الشاغل بالنسبة إليه، هو حقيقة صادمة واحدة: العديد من إنجازاته الكبرى قد تتحوّل قريباً إلى أشلاء. مع ذلك، يعتقد كيري أن الاتفاق مع إيران «سيبقى قائماً وفقاً لأسبابه الموجبة». ويشيد ببعض الأشخاص المختارين من قبل ترامب لشغل مناصب عدة، لافتاً إلى أن أسماءهم مدروسة، ومن بين هؤلاء وزير الدفاع جايمس ماتيس، ووزير الخارجية المقبل ريكس تيلرسون.
أما في إطار مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، فيشير الكاتب إلى أن كيري أمضى أول عام في وزارة محاولاً إيصال الفلسطينيين والإسرائيليين إلى اتفاق، ولكن منتقديه دأبوا على التأكيد أنه كان يضيّع الوقت. إلا أن كيري لا يزال يرى الأمر بشكل مختلف، وهو أن النية لم تكن موجودة لدى الأطراف المتفاوضة للتوصل إلى اتفاق.
كيري كان قلقاً على حال السياسات الأميركية، وشاجباً بنحو خاص الخطاب المتدهور لمجلس الشيوخ حيث أمضى غالبية وقته خلال تبوئه منصبه. ولكنه مع ذلك لا يزال فخوراً بـ»تورّط» الولايات المتحدة في العالم، ويشعر بأن دوره «أظهر قيمة الالتزام والدبلوماسية».
(الأخبار)