غزة | منذ المصالحة المرحليّة بين حركة «حماس» والقيادي المفصول من حركة «فتح» محمد دحلان، التي ترافقت مع شعور القاهرة بإمكانية الاستفادة من حصار غزة لفتح بوابة اقتصادية عبر منطقة حرة بدلاً من الأنفاق التي دمرها وأغرقها الجيش المصري، زادت مرات الفتح الجزئي لمعبر رفح البري، خاصة في الشهرين الماضيين.


لكن هذا «الكرم» المصري المشروط، توازيه تجاوزات عدة، منها رسمية وغير رسمية، والأخيرة ــ على أي حال ــ مسكوتٌ عنها.
«التجاوزات الرسمية» هي سياسة عامة متبعة داخل المعبر، منذ السنوات التي سبقت تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة في مصر وبعدها، وذلك على أيدي العناصر والضباط، الذين يعملون وفق قوائم المنع الأمني، إضافة إلى إرجاعهم أي شخص يشكّون في حاجته إلى السفر، فضلاً عمّا تمليه عليهم مزاجاتهم الشخصية في أحيان كثيرة، وهذا ما تفيد به دوماً الإفادات والشهادات التي تتجاوز العشرات، وتتكرر مع كل افتتاح للمعبر.


تُنهب نصف حقائب المسافرين على مدى 8 حواجز في سيناء


رغم ذلك، من المهم التنبيه إلى أن «التحسّن» الطفيف المذكور لم ينه معاناة السفر، فالمعبر فُتح لنحو شهر متقطع منذ بداية السنة الجارية، وبالتحديد لمدة 38 يوماً من أصل 365، في حين أن تشرين الأول الماضي وكانون الأول الجاري حصّلا النسبة الأكبر من تلك الأيام بنحو 13 يوماً، منها الأيام الثلاثة الأخيرة.
آخر هذه التجاوزات، التي تُغطّى تحت ظل قانون الطوارئ المعمول فيه داخل سيناء، هي عمليات النهب والسرقة من حقائب المسافرين في الاتجاهين، عبر سلسلة من الحواجز الرسمية للجيش المصري، في الطريق من غزة إلى القاهرة، والعكس، تحت حجّة التفتيش أو الحمل الزائد! هؤلاء الجنود، المُلقَون وسط الصحراء في مواجهة حصاد الدولة المصرية في سيناء، هم على قناعة بعد التحريض المتواصل بأنه لا يحق لمن هو سبب في «تقوية الإرهاب» في بلادهم أن يسافر، فعليه ــ كما يبدو ــ أن يدفع ضريبة تنقله على حواجزهم وفق ما يرونه مناسباً.
وزيادة على أن كل حاجز يستغرق ما بين ساعة في الحد الأدنى إلى أربع ساعات لتفتيش كل الحقائب، يصادر الجنود كل ما يحلو لهم، بدءاً من المجوهرات والساعات الثمينة وكذلك الأجهزة المحمولة (حواسيب وهواتف)، مروراً بما يلزمهم من المؤونة (الحلويات والطعام)، وحتماً كل ما يجدونه من سجائر و«المعسل» الخاص بالأرجيلة. وللأخير حكايته الخاصة، إذ إن كل حاجز يمرون عبره يأخذ كمية محدودة من كل شخص حتى يترك حصة لجنود الحاجز اللاحق، كذلك فإن بعض المسافرين صُودرت لهم حقائب بكل مقتنياتها، وراوحت خسارتهم ما بين ألف إلى ألفي دولار.
مواطن أربعيني يدعى أحمد، هو والد طفل مريض عمره لا يتجاوز السنتين، وكان الرجل قد تضرّر في الحرب الأخيرة على غزّة عام 2014 وأصيب في عينيه، ما أجبره على الحاجة إلى عملية جراحية في مصر. يقول: «تبدأ المعاناة في الصالة الفلسطينيّة عندما تجد جنوداً وضباطاً في أول عمرهم يتأمّرون على عجوز كبير أو سيدة لا تستطيع السير»، مضيفاً: «نمت في الصالة المصريّة ليلة واحدة على القمامة لأنه لا يوجد عامل نظافة واحد... كمية غريبة من الإهانة والاستحقار للجميع، كأنّنا عدو لهم، وحتى تعجّل معاملتك عليك الدفع بالدولار».
وفق المسافرين، صار ثمن المواصلات يدفع على ثلاثة أضعاف السعر الرسمي، كذلك يجب أن تُعطى علبة سجائر للسائق، وقد تزيد التكلفة إن تأخر وقوف الأخير على الحواجز، التي يزيد عددها على ثمانية طوال الطريق، الأمر الذي يزيد الحاجة من 6 ــ 7 ساعات لعبورها، إلى نحو 12 ساعة. كذلك، لا تبعد بعض الحواجز عن بعضها سوى 150 متراً.
وتنتشر ثمانية حواجز تابعة للجيش المصري من معبر رفح حتى القنطرة، هي بالتوالي: الماسورة، وأبو طويلة، والخروبة، وجرادة، والريسة، والميدان، وبئر العبد، وبالوظة. يضيف أحمد: «كمين الريسة هو الأصعب في التفتيش، هناك يفرغ الجيش أمام عينك الحقائب ويطلب منك إعادة ترتيبها وتجميعها من جديد خلال ثوانٍ... إذا تحدثت معه بعبارة واحدة يشتمك مباشرة»، مكملاً: «حاولت استعطاف الجندي وقلت له طفلي مريض، فقال لي، بلا طفل بلا بطيخ، وسحب (لقّم) أجزاء السلاح، ثم أطلق خمسة رصاصات في الجو، وأجبرني على الوقوف برفقة ابني تحت شمس الصحراء لساعة».
وعادة يمكن أصحاب الإقامات داخل مصر أو المسموح لهم دخول البلد نفسها، وكذلك أصحاب الجوازات الرسمية، العبور من دون باصات الترحيل مستخدمين المواصلات العامة، وهؤلاء أقل معاناة على الطرق، خاصة إذا كان السائق يعرف جنود الحواجز ويسارع إلى رشوتهم مباشرة، لكن الأمر لا ينجح دائماً في ظل أن هناك أكثر من 25 جندياً على كل حاجز.
حاول أحدهم أن يوقف تساؤلات الجنود التي تشبه التحقيق الدوري والمتكرر، بالقول إن واجبهم هو رؤية جواز السفر والتأكد من ختم الدخول دون التحقيق، ولكن ذلك قُوبل مباشرة بالإهانة وبالحجز. وإن لم يكن لدى الجنود جهاز حاسوب موصول بشبكة الأمن، تزيد ساعات الاحتجاز بانتظار وصول الشبكة من أجل إجراء التحري عن أسماء معينة.
طبقاً لتقديرات الشهود، يحتاج التفتيش في حاجزي الريسة والميدان من ساعتين وصولاً إلى نصف يوم (12 ساعة)، فيما تكفي نصف ساعة لكل حاجز من الحواجز الباقية. يفيد أحد مصابي الحرب الأخيرة على غزة، وكان قد فقد قدميه فيها، بأنه لم تُراعَ حالته الحرجة بتاتاً، وأُجبر على تفريغ حقائبه بنفسه ثمّ ترتيبها بسرعة، كذلك طُلب منه المشي لمدة ربع ساعة على العكازين للتأكد من أنه فقد قدميه رغم أنه كشف عنهما!
يشتكي مسافرون أيضاً من أن بعض الممارسات تحدث أمام ضباط فلسطينيين في الصالة المصرية، دون أن يستطيع هؤلاء فعل أي شيء خوفاً من رد الفعل الرسمي، لكن المتحدث الإعلامي باسم «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان»، عبد الحليم أبو سمرة، ذكر أنه لم تصلهم أي شكاوى بخصوص تعامل الجيش المصري مع المسافرين عبر معبر رفح، مضيفاً أنه إذا وصلهم تظلم، فإنهم لا ينكرون غياب أي مسالك رسميّة أو مؤسسات حقوقية يمكن تبليغها والمتابعة معها.
ووفق وزارة الداخليّة ووكيل الخارجيّة في غزّة، فإنهم قالوا لمراسل «الأخبار»، إنهم لم يتلقوا أي شكاوى أو انتقادات حتى يتسنى لهم التواصل مع الجانب المصري، مع أن هذه التجاوزات لا تغيب عن سمعهم، وليست شرطاً أصيلاً للتحرك أو إيجاد طريقة للتخفيف منها.
الجهات الرسمية اكتفت بإحالتنا على إحصاء «هيئة المعابر والحدود» التي قالت إن إجمالي المغادرين خلال الأيام الثلاثة الأخيرة بلغ 2078، من بينهم 1524 من الحالات الإنسانية، و299 من أصحاب التنسيقات المصرية الذين يخضعون لمعاملة خاصة في ظل دفعهم مبالغ مجزية (راجع العدد ٢٩٠١ في ٣ حزيران)، فيما أعادت السلطات المصرية 272 مسافراً ومنعتهم من السفر دون إبداء الأسباب. في المقابل، كان لافتاً انخفاض عدد العائدين في المدة نفسها، وهو 467 شخصاً سُجّلوا ضمن العالقين في الأراضي المصرية ما قبل فتح المعبر.
ولا يمكن إنكار أن الوضع في هذه السنة، 2016، أفضل قليلاً من السنوات الثلاث التي سبقتها، وقد شهدت حركة تبادل تجاري خفيفة وحديثاً مصرياً عن إمكانية الاستفادة من المعبر، لكن كل ذلك لم يعنِ للغزيين انتهاء «كابوس رفح» الجاثم على صدورهم منذ أواخر 2005.