حلب | لم يُقفل ملف تسوية حلب بعد. طيلة يوم أمس كانت الأنظار موزّعة بين منطقتي الراموسة والراشدين حيث اصطفت قوافل المسلحين وعائلاتهم والباصات المحمّلة بالمرضى وكبار السن والأطفال والنساء من كفريا والفوعة. جمّد المسلحون عملية إدخال الدفعة الثانية من أهالي القريتين الإدلبيتين، فيما منع الجيش السوري والحلفاء أيّ تحرّك لحافلات المسلحين من الراموسة.


ساعات من المفاوضات والتدخلات الروسية والتركية لم تأت بنتيجة. مصدر متابع لملف «التبادل» قال لـ«الأخبار» إن المسلحين يحاولون إذلال أهالي كفريا والفوعة عبر الدخول إلى الحافلات والتحقق من الهويات الشخصية والحالات المرضية وتفتيش الأمتعة. كذلك يوجّهون رسالة للطرف الخصم بأنهم يملكون أوراقاً في أيديهم لأنهم متخوفون من أي إجراء مماثل في الراموسة. في هذه البقعة التي شهدت إحدى أكبر المعارك في مدينة حلب، يخرج المسلحون من الأحياء الشرقية من دون أي تفتيش أو صعود أي عنصر من الجيش أو الأمن إلى الحافلات. «هذا هو الاتفاق» يُجيب المعنيون. مراقب من الجانب الروسي وآخر من الهلال الأحمر وعناصر أمنيون سوريون يتجنّبون أيّ خرق للاتفاق أو أيّ ردود فعل ضد المسلحين الخارجين.
لكن حالة الاحتقان تزداد يومياً لدى عناصر الجيش السوري والحلفاء بعد عدم تبيان مصير الأسرى والمخطوفين في الأحياء الشرقية، بالتزامن مع تأمين مرور عدد من كبار قيادات المسلحين في الأيام الماضية.


يخرج المسلحون
من دون صعود أيّ عنصر من الجيش أو الأمن إلى الحافلات



«الروسي مستعجل وبدّو يخلّص بسرعة»، يقول مصدر متابع لـ«الأخبار». هذا الاستعجال يكلّف من وجهة نظر «محور دمشق» خسارة أوراق مهمة كان بالإمكان تحريكها ضد فريق المسلحين وداعميه بعد انتصار عسكري في حلب. مصدر قيادي آخر يروي أنه «كان بالمستطاع إقفال ملفات مهمة عالقة بعد حسم حلب، من مسألة كفريا والفوعة إلى المخطوفين والأسرى وصولاً إلى السيطرة التامة على طريقة إخراج المسلحين بِلا سيناريو التخفّي والباصات المغلقة». السيناريو الأخير طرأ عليه بعض التعديلات من القوات على الأرض، وقطع الطريق أول من أمس نموذج لتصعيد مقابل «الفريق التركي» وأيضاً مقابل المفاوض الروسي، بعد أن كادت عشرات القوافل المحمّلة بالمسلحين تمرّ قبل وصول باصات كفريا والفوعة نحو مناطق الجيش.
وعلمت «الأخبار» أن المفاوض الروسي حاول أمس، أيضاً، «حرق المراحل»، والإسراع في إخراج المسلحين قبل إتمام إيصال الـ2500 مدني المتفق عليهم من كفريا والفوعة، لكنه جوبه برفض من حلفاء دمشق في حلب. مرّ الثلاثاء و8 حافلات تنتظر الفرج في الراشدين، و62 حافلة في الأحياء الشرقية. حوالى 500 مدني من كفريا والفوعة انتقلوا إلى منطقة حسياء في ريف حمص، حيث مقرّ الإقامة الموقتة صباح أمس، والألفان المتبقون يحتاجون إلى دفعات عدة قد لا تُستكمل اليوم أيضاً، بينما أمّنت دمشق قِسطها من الاتفاق بإخراج حوالى 25000 شخص حتى الآن من الأحياء الشرقية من المسلحين وعائلاتهم ومواطنين آخرين.
«النصرة» مُجبرة... ولكن
تعمل «جبهة فتح الشام/ النصرة» على الظهور بوجهين متناقضين، وقد نجحت في ذلك حتى اللحظة. فهي من جهة امتثلت للأوامر التركية بعدم التعرض لقوافل الخارجين من كفريا والفوعة، وظهر ذلك إثر وصول أول دفعة من أهالي البلدتين، وفي الوقت نفسه أحرقت 8 حافلات وقتلت سائقاً واحتجزت آخر (وهما من بلدة نبّل)، ومصير 6 آخرين غير معلوم حسب مصادر «الأخبار». كذلك فإن التنظيم، بالتعاون مع «حركة أحرار الشام»، يُفرغ المازوت من الباصات ثم يملؤها بكمية قليلة تكفي، بنظرهم، للعودة إلى حلب «حتى لا يُفرغها أهالي كفريا والفوعة المقطوعون من المحروقات».
عدد من العاملين والمتابعين لملف التسوية يؤكدون الرغبة العارمة في إغلاق هذه الصفحة والإعلان عن مدينة حلب خالية من المسلحين، وهذا الإعلان مسألة وقت لا أكثر في نظرهم. جلّ ما تريده دمشق وحلفاؤها اليوم هو الحفاظ على أكبر عدد ممكن من أرواح أهالي كفريا والفوعة بعيداً عن الحصار الدامي. قد تكون مسألة أيام لا أكثر، لكن هيثم الذي ينتظر زوجته يراها أشهراً. هي في الحافلة على بعد مئات الأمتار. يكلّمها على الهاتف كل ساعتين. يطمئن قلبه ثم يقول لن أصدق إلّا حين أراها