دمشق | ابتكار جديد غزا ميدان الحرب النفسية والإعلامية في سوريا. السلاح الإعلامي هذه المرة كان خارجاً عن حدود المنطق، حول أبوين يرسلان طفلتيهما إلى الموت، إيماناً منهما في «إعلاء كلمة الدين». فالأبوان باعا الطفلتين والشاري كان الله، كما قالا.

بطلة التسجيل المصوّر كانت فاطمة، الطفلة التي تظهر في تسجيل مصوّر مع «أبويها وأختها»، على أساس أنها ستذهب إلى «تفجير نفسها» بعد انتهاء التصوير، داخل قسم شرطة الميدان، ربطاً بالتفجير الذي وقع في العاصمة السورية يوم الجمعة الماضي.
الرجل الملتحي، الذي يسمي نفسه عبد الرحمن شداد، وهو ملقب بـ«أبو نمر»، ينسب نفسه إلى عناصر «جبهة النصرة»، ويظهر في التسجيل مستخدماً علم «النصرة» في خلفية المشهد، برفقة الطفلتين اللتين يقول إنهما ابنتاه «الاستشهاديتان». يبرر ما يريد فعله بلومه المسلحين قبول التسويات السياسية في بعض المناطق، قائلاً وهو يسأل إحدى الطفلتين: «الرجال هربوا. طلعوا بالباصات الخضر». لكن «أبو نمر» لا يشرح لماذا يرسل «طفلتيه» المفترض أنهما ابنتاه، إلى الموت، في حين أنه و«أمهما» على قيد الحياة، وهو ما يضفي المزيد من العبثية على المشهد المأسوي.
ضمن اعتبارات متعلقة بضعف المصدر الذي روّج للتسجيل المصوّر، ظهر له جزء ثانٍ كانت فيه «أم نمر» تودع الطفلتين الذاهبتين إلى «عمليتين استشهاديتين»، مع تغيّر ملابسهما، مبرّرة قبولها موت طفلتيها، بقولها: «ما ضل حدا صغير».


لفتت نتائج التحقيقات الأولية إلى أن
الفتاة فعلاً ضائعة، واسمها نور

صوت المرأة الحيادي، الخالي من أي تعبير يدلّ على خوف أو بقايا أمومة، يشي بالكثير ممّا تخفيه الصورة، خاصة احتمال أن لا تكون الطفلتان ابنتيها حقاً. عناقها البارد لهما وترديدها كلمات خالية من العواطف، كلها عوامل تثير الشك في حقيقة أمومتها، في الوقت الذي تشدّ فيه الأمهات السوريات، وغيرهن، على أيدي أطفالهن، خوفاً من الموت المحدق بهم في كل مكان.
«إبداعات أبي نمر» لم تقف عند هذا الحد، إذ عاد ليظهر في تسجيل مصوّر ثالث يبدو فيه أكثر ثقة وراحة، فيعلن اسمه وملابسات قيام من يدعي أنها ابنته بتفجير نفسها في قسم شرطة الميدان، مثنياً على شجاعتها وإصرارها على هذا العمل «نكاية في أعداء الله، ونصرة لأطفال حلب». ويعلو هذه المرة، في الخلفية الصوتية للتسجيل صوت طفل لا يتجاوز عمره الأشهر، إذاً، ليطمئنّ السوريون، إلى أن لديه المزيد من «مشاريع الأطفال الانتحاريين».
وما يضعف الرواية التي تقدمها التسجيلات، أنها تظهر «بطلها» وأبناءه يقيمون في مناطق خاضعة لسيطرة الدولة السورية وداخل حواجزها الأمنية والعسكرية، وهو أمر يحتمل الشك، لكن تسجيلاته انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. وعن قصد أو غير قصد، أسهم رواد تلك المواقع في نشر فكر «أبي نمر» وتهديداته بأن «القادم أدهى وأمرّ».
واستخدام التطرف الديني، الأطفال أداة للقتل وللترهيب، لم يكن غريباً ضمن مفاصل عدة في الحرب السورية، وذلك عبر تسليحهم وبرمجتهم على تنفيذ أحكام إعدام مباشرة بحق مدنيين وعسكريين سوريين، لكن هذا العرض كان الأقسى على الإطلاق.
في غضون ذلك، ذكرت مصادر في شرطة دمشق أن نتائج التحقيقات الأولية بيّنت أن الفتاة الضحية التي فُجِّرَت في قسم شرطة الميدان هي فعلاً ضائعة، واسمها نور. ولم تنفِ المصادر احتمال وجود «أبي نمر» في إحدى المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة السورية، لأن «الخلايا النائمة موجودة في مناطق عدة»، ما يفسر حدوث خروق أمنية باستمرار تتعلق بالتفجيرات وعمليات الاغتيال.
رغم ذلك، تميل المصادر إلى ترجيح استثمار جهات مقربة من «جبهة النصرة» حادثة التفجير الأخيرة إعلامياً، ليبقى التساؤل الأصعب بين نور وفاطمة: أيّ الروايتين السوريتين أشدّ إيلاماً؟ في الحالتين، يبدو أن زمن الطفولة السورية لا يزال زاخراً بالظلم والوحشية.