ونحن نقرأ هذه السطور، يكون قرار تحريك أسعار الدواء في مصر قد وصل محطة الإحباط الشعبي. سنة 2016 سرقت حافظة النقود، في أوتوبيس وعود السلطة التي لم تُنفذ. الطبقة الوسطى تلفظ أنفاسها، والطبقة الفقيرة «تكحّ» التراب.


ونحن نشرب قهوتنا الآن، سيكون علينا أن نعرف أن مصر، التي تُعرف بوطن قصب السكر، رفعت سعره إلى 10.5 جنيه (نصف دولار أميركي) ويُباع الكيلو منه بقرابة الدولار في بعض المتاجر. سيكون عليك عزيزي القارئ أن تفكّر وتسأل: ما الذي انتظره المصريون من هذا العام الكئيب ولن يُحضره بابا نويل؟
عندما كنّا نمشي في شوارع القاهرة، ونسأل الناس أيّام الانتخابات الرئاسية الماضية عن خيارهم، وكان المرشحان الوحيدان فيها: الفريق عبد الفتاح السيسي، وحمدين صباحي، كانوا يقولون بنَفَس واحد: «السيسي طبعاً. عايزين نحسّ بالأمن والأمان يا أبو العُرّيف». قالوا إن الرجل العسكري، «يعرف شعابها»، وهذا شُغْله. مرّ عامان ونصف على حكم المرشح الفائز، ولم يتحقق الأمن. الجديد، هذا العام، أن المدنيين دخلوا المواجهة، وباتوا جزءاً من أهداف التفجيرات الإرهابية. حادث الكنيسة البطرسية خير دليل، وهناك وقائع أخرى: التوتّر في سيناء والوادي.


مرّ عامان ونصف
على حكم السيسي ولم يتحقق الأمن

«إذا ما التأم جرحُ، جدَّ بالتذكار جرحُ». في آب الماضي، قال السيسي إنه لن يرفع الدعم عن المصريين إلا بشرط؛ «قسماً بالله مش هرفعه غير لما أخليهم أغنياء وبعدها هشيل الدعم عنهم لأنهم بكده مش هيكونوا محتاجين دعم». على العكس، قررت الدولة رفع الدعم عن الفقراء، ولم تتخذ إجراءات حمائية للمطحونين كما وعدت الحكومة. اقترضت من صندوق النقد الدولي، وقررت تعويم الجنيه (مطلع الشهر الماضي)، فارتفعت الأسعار بجنون. ها هي ترفع أسعار الأدوية (50% للدواء الأقل من 50 جنيهاً، و30% للدواء لما بين 50 إلى 100 جنيه، و25% لما بين 100 إلى 150 جنيهاً، وزيادة 30% على كل صنف دواء مستورد).
وعدٌ بألف وعد طار في الهواء. بشّرت الدّولة (كانون الأول 2015) المواطنين بتحسُّن أحوالهم في العام التالي. قال آنذاك أشرف العربي من موقعه في وزارة التخطيط، لمناسبة تجديد الثقة في حكومة رئيس الوزراء شريف إسماعيل، إن «برنامج عمل الحكومة يركز على العدالة الاجتماعية وضبط الأسعار، ومكافحة الإرهاب وتوفير الاحتياجات الأساسية... برنامج الحكومة سيعالج القيود الأساسية الراهنة التي تواجه البلد كالعجز في الموازنة العامة للدولة والدين العام».
كلامٌ حكومي تكذبه كل المؤشرات؛ المشروعات القوميّة باتت عوائدها في خبر كان. البنك المركزي يقول في آخر تقرير إن معدلات التضخم زادت في تشرين الثاني وحده إلى 20.73٪ (مقابل 15.72٪ خلال تشرين الأول). ارتفع معدل التضخم الشهري خلال الشهر الماضي إلى 5% نتيجة رفع أسعار السلع الغذائية والمواصلات والملابس، واقتربت نسبة الفقر المدقع من 7% (كانت 4% في 2012)، فيما تقترب نسبة من يعيشون تحت خط الفقر من 30%. رفعت الحكومة شرائح استهلاك الكهرباء تمهيداً لرفع الدعم نهائياً عنها خلال 2017، ثم رُفعت شرائح الكهرباء والغاز.
لم تعالج الحكومة العجز في الموازنة؛ تقول وكالة «فيتش» الدّولية إن عجز الموازنة المصرية 11.6% في العام المالي الجاري (2016/2017)، رغم تطبيق الإصلاحات التي شملت تطبيق ضريبة القيمة المضافة وخفض دعم الوقود. الوكالة تتوقع أن يرتفع الدين الحكومي إلى 99% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي الجاري نتيجة ارتفاع الدين الخارجي وانهيار الجنيه أمام الدولار.
في الوقت نفسه، مرّ 2016 ولم تتخذ الدّولة قرارات لتخفيف العبء عن المواطنين. لم تفرض التسعيرة الإجبارية على السلع الاستراتيجيّة، ولم تفرض الضريبة التصاعديّة على الأغنياء ورجال الأعمال الذين ينافسون مشايخ النفط في احتفالاتهم العائليّة. الفقراء وحدهم يدفعون و«يأخذون على قفاهم». لم تنجح الدّولة في القضاء على رجال أعمال نظام مبارك، ولم تسحب منهم الأراضي وثروات الشعب التي نهبوها برعاية الأب الروحي المخلوع في 2011. على العكس، شهد العام الجاري ازدياد نفوذهم في البرلمان ووسائل الإعلام، وعودتهم إلى مناصب سياسية رسمية، وتربعهم على سدّة الملكيّة في منصّات إعلامية شعبيّة وشركات تجاريّة مؤثرة.
لم تحاول السلطة الحاكمة في 2016 تجميل صورتها والحفاظ على شعبيتها التي باتت في أدنى مستوياتها. اتخذت قرارات اقتصاديّة قاسية: عوّمت الجنيه، ورفعت أعباء المعيشة المرتفعة أصلاً، فارتفعت معدلات البطالة. بدأ الناس يفكرون في الضربة الموجعة التالية. لم ينجح مؤتمر الشباب الأخير في شرم الشيخ (تشرين الثاني الماضي) في تلميع الشعبية. لم ينجح لقاء سائقة «التروسكل» المسكينة في تبديد المخاوف وجرّ تعاطف المواطنين، بل الناس «بتكلّم نفسها من الغلا». تبقى الشعبية مرشحة للانخفاض في العام الجديد، خصوصاً أن الملايين يقعون الآن من البطاقات التموينية، وأسعار الوقود سترتفع بنسبة كبيرة في شباط المقبل، طبقاً لمصادر مطلعة.
سياسياً، هناك أكثر من نافذة كانت السلطة في غنى عن فتحها هذا العام، ورغم ذلك فتحتها، فدخلت عليها رياح الغضب الشعبي. قضية توقيع ترسيم الحدود البحرية مع السعودية (نيسان الماضي) استفزّت الناس، وتُثير حتى هذه اللحظة الاحتقان ضد السلطة، والأخيرة لا تنفي رأيها الرسمي بسعودية الجزيرتين حتى أمام القضاء الوطني، وتشاكسه بطعن وراء الآخر رغم أنه أفتى بمصريّة تيران وصنافير (المحكمة الإدارية العليا تحسم هويّتهما في 16 كانون الثاني المُقبل).
الرئيس المصري وعد، في أكثر من لقاء تلفزيوني مع وسائل إعلام أجنبيّة، بتحسين مناخ الديموقراطية في مصر أوائل 2016، ولم يتحقق شيء. السيسي قال أكثر من مرة إن «التنمية أولوية، وشرط مهم لتحقيق الديموقراطية». لم تتحقق التنمية وتراجعت الديموقراطية، بل اقتحمت وزارة الداخلية نقابة الصحافيين وحُكم بالسجن على نقيبهم. يقول تقرير حديث، صادر عن «مؤسسة مؤشر الديموقراطية الحقوقيّة»، إن قرابة 1126 انتهاكاً وقع لحرية التعبير والرأي في 2016.
أكثر من ذلك، أصدرت الدولة قانون الجمعيات الأهليّة، ومن شأنه تجميد عمل منظمات المجتمع المدني التي ترصد في تقاريرها أوضاع الديموقراطية والحريّات وحقوق الإنسان. هناك أكثر من 63 صحافياً يقبعون في السجون، فيما تراجع وجود أحزاب المعارضة والتيارات الأخرى التي كانت نشطة أيام الرئيس الإسلامي المعزول محمد مرسي. قوانين الصحافة والإعلام، التي أقرها البرلمان قبل أيام، تزيد قبضة الدّولة على الصحف والفضائيات، وتجعل الهيئة الوطنية للإعلام (الرئيس يختار رئيسها)، جهة رقابية على حرية الصحافة والتعبير، لأنها ستمثل رأي السلطة.
في العام المُقبل، سيُحاكم المدنيون أمام القضاء العسكري مع أن المادة 204 من الدستور المصري تمنع «محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية طالما لم يكن اعتداء على مؤسسات عسكرية». حادثة الكاتدرائيّة البطرسيّة دفعت الحكومة إلى التسريع بالخطوة داخل البرلمان، وهي ستعقد مؤتمراً في كانون الثاني المقبل، من أجل تحديد مواعيد تعديل الدستور بدعوى مواجهة الإرهاب. المراقبون يتخوفون من أن المصطلح الفضفاض (إرهاب) سوف يتوسع ويتغول، ليضمّ معارضين سياسيين ينتقدون السلطة ويكتبون في سكة ما تسميه مصر الرسميّة، هذه الأيام، «نشر المناخ التشاؤمي في البلاد».
أيام قليلة ويدخل عام 2017 المحروسة. أيام قليلة وتُعلن الحكومة مفاجآتها التالية قراراتها التي التزمتها أمام جهات التمويل الدّوليّة. ساعات قليلة وتُخرج السلطة من جعبتها قرارات وتتخذ خطوات تضرب شعبيتها في مقتل، وتُدخل الحياة السياسية في «فريزر» الثلاجة. هو عام جديد قد يدفع المصريين إلى الترحّم على أيام 2016 الصعبة، أو الزمن الجميل!