في الوقت الذي رحّب فيه عدد من المراقبين بالتفاصيل غير المسبوقة المدرجة في الموازنة، ردّ آخرون مشككين بصدقية الأرقام المقدمة، ومشيرين إلى أن جهود الحكومة لإحداث توازن في موازنتها، في خلال السنوات الأربع المقبلة، لا تزال تعتمد على ارتفاع أسعار النفط، وهو الأمر الذي يناقض ما كان يصبو إليه محمد بن سلمان، عندما أعلن رؤيته لعام 2030، مروّجاً لاقتصاد بعيد عن النفط.


وفي هذا الإطار، يمكن العودة إلى اتفاق «أوبك» الذي أجري، أخيراً، بين أعضاء المنظمة وغيرها من منتجي النفط، والذي أتى كخشبة خلاص للسعودية. فوفق ما كانت قد لفتت إليه صحيفة «وول ستريت جورنال»، في أيلول الماضي، يقف وراء قرار المملكة بالموافقة على خفض الإنتاج، اعتراف بتداعيات أسعار النفط المنخفضة. وبحسب الصحيفة، فقد توصل المسؤولون السعوديون، بعد مسح آخر المعلومات عن أسواق النفط، إلى خلاصة مثيرة للاستياء، هي أن «السياسة النفطية للمملكة لم تكن نافعة».


إعلان الموازنة يعاكس
ما يتكوّن منه الاقتصاد
السعودي


لذا، التفت وزير الطاقة خالد الفالح، حينها، إلى تقديرات منظمة «أوبك» بأن «التخمة العالمية في إنتاج النفط، ستستمر خلال عام 2017»، ما كان وراء قرع ناقوس الخطر، ولا سيما أن هذا الواقع يحصل في الوقت الذي تشن فيه السعودية عدوانها على اليمن، و»بينما تشهد معايير حياة الطبقة الوسطى، تآكلاً»، على حد تعبير «وول ستريت جورنال». تحرّك الفالح بسرعة لتغيير مسار السياسة السعودية النفطية، وبعدها كان الاتفاق الشهير لمنظمة «أوبك» في فيينا، الذي تعوّل السعودية على أن يؤدي إلى إعادة رفع أسعار النفط عالمياً.
بناءً عليه، تتوقع السعودية أن ترتفع عائداتها النفطية بنسبة 46 في المئة، العام المقبل، بعدما جرى التوصل إلى اتفاق «أوبك». وتترقب أن تحصل على نحو 480 مليار ريال (128 مليار دولار) من بيع النفط مقارنة بـ329 ملياراً، في خلال عام 2016، وذلك وفق ما أفادت به وزارة المال في بيان الموازنة. وتستند الموازنة إلى تقدير بأن المنتجين سيخفضون الإنتاج، كما وعدوا، على حد تعبير وزير الطاقة السعودي خالد الفالح. لكن مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في «بنك أبو ظبي التجاري»، أشارت في حديث إلى «بلومبرغ» إلى أن الرؤية السعودية لعائدات النفط «تبدو متفائلة (أكثر مما يجب)، ولا سيما في ضوء خفوضات الإنتاج التي يجب على الرياض تطبيقها كجزء من اتفاق أوبك».
من جهة أخرى، أعلنت السعودية أنها ستعمل على نموّ القطاعات التي تدرّ إيرادات غير نفطية. وهي تتوقع أن تصل في عام 2017 إلى 212 مليار ريال (56 مليار دولار)، مقارنة بـ199 مليار ريال (53 مليار دولار) كانت متوقعة لعام 2016. ويصل تركيز الحكومة على العائدات غير النفطية، إلى تقديرها أن تصبح نسبتها 50 في المئة من كامل موازنتها في عام 2020. إلا أن جايمس ريف نائب رئيس مجموعة «سامبا» المالية ومقرها في لندن، أعرب عن «دهشته من أن يكون الاقتصاد غير النفطي قد توسع في خلال هذا العام، نظراً إلى ضغط الإنفاق الحكومي»، ويبدو أنه لم يتمكن من إيجاد أساس مقنع لها، سوى الالتفات إلى أنّ «من المحتمل أن تكون بعض القطاعات المستقلة نسبياً، مثل القطاعات البتروكيميائية، قد حظيت بسنة أفضل ممّا كان متوقعاً».
إعلان الميزانية يعاكس ما يتكوّن منه الاقتصاد السعودي، حيث غالبية المواطنين يعملون في القطاع العام، كذلك تعتمد الشركات السعودية على اليد العاملة الأجنبية الرخيصة نسبياً، في وقت شهد فيه القطاع الخاص توسعاً وصل إلى واحد في المئة فقط.
وفيما لم ينتهِ الأمر بما جرى إعلانه، أول من أمس، فقد كشفت وثيقة رسمية، نقلتها وكالة «رويترز» أمس، عن خطط لزيادة الإيرادات غير النفطية، عبر رفع الرسوم المفروضة على العاملين الأجانب ومرافقيهم. كذلك من المتوقع أن تنفق 200 مليار ريال (53 مليار دولار) ضمن حزمة تحفيز للقطاع الخاص، على مدى السنوات الأربع المقبلة، في إطار خطتها الهادفة إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط.
وذكرت الوثيقة أنه سيجري تأسيس صندوق استثماري لتوفير رأسمال لجذب استثمارات القطاع الخاص. إلا أنها لم تتضمن أي تفاصيل بشأن عمليات الصندوق وطبيعة حزمة التحفيز، سوى أنها ستوجه إلى دعم القطاعات التي تعزز النمو الاقتصادي وتوفر الوظائف للسعوديين. وفيما يبقى الإبهام سيد الموقف هنا، يرى البعض، بناءً على ما تقدم، أن الإنفاق قد يتخطى السنوات الماضية بنسب عالية، وقد يتخطى الأرقام الواردة في الموازنة.
ويسعى المسؤولون السعوديون إلى إعطاء صورة تميل أكثر نحو التفاؤل، برغم إشارة وزير المالية محمد الجدعان إلى أن «من المرجّح أن تطرق المملكة أبواب أسواق الدين في الربع الأول من السنة المقبلة». وأوضحت «بلومبرغ»، في هذا الإطار، أن «الحكومة التقت بمصارف، وتفاوضت في احتمال بيع السندات الإسلامية أو الصكوك، في الربع الأول من أجل المساعدة على سد العجز في موازنتها».
أما وزير الطاقة خالد الفالح، فقد أكد أن هناك نية لرفع أسعار الطاقة المحلية، موضحاً أنها «ستكون مرتبطة بالأسعار العالمية». ولفت إلى أن هذا الأمر يسري على «أسعار وقود النقل مثل البنزين والديزل، وينطبق على أسعار وقود الطيران والكهرباء». وفيما ستترافق هذه الخطة مع برنامج للتحويلات النقدية، للتعويض على ذوي الدخل المنخفض والمتوسط، فقد أشار الفالح إلى أنه «بدل الحصول على الوقود والخدمات بأسعار منخفضة نسبياً ــ أقل من الأسواق العالمية ــ سيحصلون على النقد، وسيختارون كيف ينفقونه».
من هنا، وفي الوقت الذي يوحي فيه المسؤولون برغبة حقيقية من أجل معالجة المشاكل الهيكلية، فإن الموازنة تكشف عن استعداد الحكومة لاستخدام أكبر لعائدات تصدير النفط، بهدف تعزيز النمو، والاعتماد على الإنفاق التوسعي، بحسب كريسبين هاويس مدير إحدى الشركات الاستشارية. وقد قال هذا الأخير إنه «من الناحية النسبية، ستبقى عائدات النفط الخط المسيطر على التقديرات المالية، في المستقبل المنظور».