أعربت بغداد، قبل نحو ثلاثة أشهر، على لسان رئيس حكومتها حيدر العبادي، عن أنه مع نهاية العام الجاري «ستتمكّن القوات العراقية من تحرير الموصل». لكن أمس، أعلن العبادي أن «المعطيات المتوافرة تشير إلى أن العراق بحاجة إلى ثلاثة أشهر للقضاء على داعش نهائياً»، في وقت ترى فيه مصادر عراقية مطّلعة أن «العمليات، بوتيرتها الحالية، لن تنتهي قبل ستة أشهر من الآن».


يتعارض كلام المصادر الميدانية والسياسية مع تصريحات العبادي، إذ تفيد في حديثها إلى «الأخبار»، بأن «هناك تلكّؤاً في حسم المعركة داخل مدينة الموصل». فـ«عمليات قادمون يا نينوى»، التي دخلت الأسبوع الثاني من شهرها الثالث، تشهد جموداً كبيراً، تخرقه بعض «العمليات بين الحين والآخر... بمجهود عراقي، ودون أي غطاء أميركي».
وتؤكّد المصادر أن ما يشهده الميدان الموصلي من «التقاط القوات لأنفاسها» مردّه إلى أن «قوات الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب ترفض التحرّك والتقدّم في أيٍّ من الأحياء الموصلية الشرقية»، خصوصاً أن واشنطن قد سحبت غطاءها الجوي وتتعمّد «التفرّج على القوات»، فيما تستمر في الضغط على بغداد ومؤسساتها العسكرية. وتنقل المصادر أن الخلافات التي أنتجها الميدان الموصلي، وانعكس جموداً على صعيد الهجمات، أحدث شرخاً كبيراً بين قيادة القوات الأميركية وقيادة «جهاز مكافحة الإرهاب»، رغم أن الأخير «ابن المؤسسة الأميركية، وربيبها... تسليحاً وتدريباً وعقيدة قتال».
تروي المصادر ما جرى في الأيام القليلة الماضية، وتوضح أنّ «المراوحة» جاءت نتيجةً لما حدث. تضيف أن العبادي «وجد نفسه مرغماً على تغيير مسار العمليات»، في مسعىً منه لمواجهة «الجمود»، خصوصاً أن بغداد لم تحقّق ــ إلى الآن ــ إنجازاً دسماً. «قُدّم للعبادي عدد من التعديلات على الخطة الأولى، والمعدّة أميركياً»، بعدما كانت قيادات الجيش والأجهزة الأمنية و«الحشد الشعبي» مقتنعة بأن الأميركي سيكون داعماً للقوات المتقدّمة في المحور الشرقي للموصل وأحياء المدينة. لكن، حينما «أخلّت واشنطن بالاتفاقات والوعود، بات لزاماً على بغداد تغيير الخطة».
تؤكّد المصادر أن «العبادي، وفريقه، عمدا إلى تغيير الخطّة، لكنه لم يكن موفقاً». فـ«زجّ بلواء الرد السريع، مسنداً إليه التقدّم في المحور الشرقي إلى جانب مكافحة الإرهاب بعدما كان مرافقاً لقوات الشرطة الاتحادية، في المحور الجنوبي، في التقدّم والتطهير»، الأمر الذي أدّى إلى إحداث خللٍ كبيرٍ لدى قيادة العمليات والقوات المتقدّمة، و«أثّر سلباً في العمليات».


تنقل مصادر مطلعة رفض العبادي المستمر لمشاركة «الحشد» في الموصل

لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد. جرت جولةٌ أخرى من المفاوضات بين القيادات العسكرية في الجيش والأجهزة الأمنية مع العبادي، كان هدفها «دخول الحشد الشعبي على خطّ العمليات العسكرية في الموصل، وتحريك عجلات عملية تلعفر». أملت القيادات إمكانية «إقناع العبادي بمشاركة فصيلين فقط (من فصائل المقاومة) في العمليات (كتائب حزب الله وفيلق بدر)، لإسقاط حجّة الانتهاكات التي ترفعها بعض المكوّنات السياسية». وطلبت القيادات من العبادي «ذلك رسمياً... على الأقل المشاركة في عمليات القاطع الشرقي»، وحينها ساد مناخ متفائل إثر دعوة عددٍ من القوى السياسية لدخول «الحشد» إلى خطّ العمليات، وحسم المعركة.
أعدّت القيادات العسكرية مع قيادات «الحشد» خطّة ترتكز على تقدّم «الحشد» من ثلاثة محاور: الأوّل، من المحور الجنوبي بهدف الفصل بين الموصل وتلعفر؛ الثاني، الدخول إلى مدينة تلعفر والسيطرة عليها؛ الثالث، المشاركة في عمليات القاطع الشرقي لمدينة الموصل. وتوقّع القادة المخططون أن التقدّم السريع سيؤدي إلى «انهيار مسلحي داعش في مهلة أسبوعين».
«قرار العبادي هو قرار أميركي، وكل ما ينطق به هو موقفٌ أميركي»، يعلّق مصدر مطّلع واكب عملية المفاوضات مع العبادي، الذي كان جوابه بصريح العبارة «لا لمشاركة الحشد، والوقت ما زال مبكراً». يوقن رئيس الحكومة أن دخول «الحشد» سيُسهم في حسم المعركة، إلا أنه يخشى بعض المكوّنات السياسية العراقية ويتجنّب الدخول في أيّ سجالٍ معها لحساباتٍ انتخابية، إلى جانب مسعاه لاسترضاء حليفه الأميركي، الذي «لا يريد حسماً للمعركة في الوقت الراهن».
وإلى أن يبدأ الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مهماته رسمياً، فإن «المراوحة» ستظل قائمة، فيما يواصل الفريق الأميركي في بغداد «التفكير في مستقبل الموصل... والمستقبل مرهون بالعمليات العسكرية». وتؤكّد المصادر أن الفريق الأميركي في العراق كثّف اتصالاته مع القوى السياسية الموصلية، في محاولةٍ للخروج بصورة الحكم للمدينة.
تختم المصادر حديثها بالإشارة إلى أنّ الأميركيين «يمارسون ابتزازاً لتحرير الموصل، ويشترطون لتحريرها زيادة الدعم الحكومي للقوات الأمنية العراقية المحوسبة عليها، والاطمئنان إلى أنها ستبقى هناك»، في وقت لا يعطي فيه حيدر العبادي قراراً حاسماً يساهم في تسهيل العمليات العسكرية في شمال البلاد.
في غضون ذلك، خرقت التصريحات السعودية المشهد العراقي، في سجال أطلقه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، بوصفه «الحشد الشعبي» بـ«المؤسسة الطائفية»، محمّلاً إياه «ارتكاب عددٍ من المجازر في العراق»، خصوصاً أنه «يُقاد (الحشد) من قبل ضباط إيرانيين وعلى رأسهم قاسم سليماني».
ورفض رئيس الوزراء العراقي تصريحات الجبير، مشدّداً على أن «الحشد منظومة أمنية عراقية، ومشرّعة بصورة قانون نيابي دائم». ودعا العبادي الرياض إلى «الكفِّ عن التصريحات الإعلامية»، مؤكّداً أنه «لا يريد التعليق والرّد، لكون السعودية ومنظومتها الأمنية فيها الكثير من العيوب».