لم يزُر أبو أحمد بيته في شرقي حلب. الساكن في حيّ الفرقان حالياً، طلب من جيرانه «العائدون» تفقّد منزله. نزح سائق «التاكسي» مع العشرات من أقربائه وجيرانه من حيّ سيف الدولة نحو الأحياء الغربية.


ينزعج الرجل الخمسيني من ذِكر كلمتَيْ «غربية» و«شرقية» أمامه. «لسنا بيروت (خلال الحرب الأهلية اللبنانية)» يقول. يرى أنّ حلب واحدة، وأغلب أهلها هربوا من أهوال العابثين بأمنهم. مئات الآلاف انتشروا أفقياً في الأحياء الحلبية على بعد مرمى حجر من منازلهم. «الشرقية» كانت عبارة عن خطّ تماس وهمي سقط أخيراً.
كذبة كبيرة اجترّتها قنوات وإعلاميون و«ناشطون» عن مدينة مقسومة ديموغرافياً وسياسياً... عن نصف مدينة محرَّر، ونصف آخر تحت الاحتلال، لكن عملياً نزح مئات الآلاف من الأحياء الشرقية منذ صيف 2012، هرباً من بَطش «الفاتحين» وأحلامهم.
قبل الحرب، سَكن حلب نحو 3 ملايين نسمة، مليونان منهم في الأحياء الشرقية. وخلال الصراع المسلح، قَطن الأحياء الغربية نحو مليون و400 ألف نسمة، أكثر من نصفهم من الأحياء الشرقية، وبقيَ 600 ألف من سكان «الغربية»، فيما نزح أو هاجر زهاء 400 ألف منهم.
في المحصلة، كانت «حلب واحدة» مكدّسة في الأحياء الغربية، مقابل عشرات الآلاف في الأحياء الشرقية، ضمنهم عدد كبير من سكان الأرياف.


كانت «حلب واحدة» مكدّسة في
الأحياء الغربية


إذ تبيّن بعد عمليات الإخلاء الأخيرة وجود نحو 100 ألف نسمة في الأحياء الشرقية، جلّهم من ريفي إدلب وحلب. هؤلاء توزعوا، مثلاً، في الأحياء الجنوبية والغربية (صلاح الدين ـ الكلاسة ــ الأنصاري ــ تل الزرازير...)، وهم من ريف إدلب وريف حلب الغربي، أما في القسم الشمالي (هنانو ــ الصاخور ــ بستان الباشا ــ الشعار) فكانوا من ريفي حلب الشمالي والشرقي.
غداة انتهاء عملية إخراج المسلحين والمدنيين من المدينة، توافد آلاف الحلبيين لتفقّد منازلهم في «قِسم الثورة». هؤلاء لم يأتوا من مراكز الإيواء أو من الريف البعيد. كانوا في مدينتهم ذاتها على بعد مئات الأمتار، يرون أحياءهم كيف تنقلب رأساًَ على عقب.
في حيّ سيف الدولة يهرع شابّ نحو مجموعة صحفيين. يطالبهم بأن ينزلوا معه ليروا معهد التدريس الذي يملكه. في طابق سفلي من أحد المباني، ينزل أستاذ الرياضيات الثلاثيني ليرى «التغييرات». بزات عسكرية و«ديكور» إضافي في معهده. يبدو أنّ المكان تحوّل إلى مسكن لمجموعة من المسلحين، إذ كان هناك ثلاجة ولوازم معيشية أخرى.
على بعد عشرات الأمتار، بيت الرجل أيضاً. «قلبي هنا، في مشروعي الأول، لم أذهب نحو البيت بعد» يدلّ بإصبعه عليه. البيت الجديد الذي سكنه فترة قصيرة «لا أملك أي علاقة عاطفية تجاه... لكن المعهد كل شيء، وهو بخير» يقول.
على بعد عدة أبنية، دخلنا أحد مستودعات الأغذية. أطنان الأرز والبرغل والمعكرونة مكدّسة بين الغرف، كما مئات كيلوغرامات الفحم في الحديقة. أكياس «الجهة المانحة» الخليجية تقبع أيضاً في إحدى الزوايا. نموذج «المستودع المُتخم» تنقّل بين أحياء عدة. الأمعاء الخاوية كانت في الخارج... على الطريق تواجه جشع تجار الفصائل القابضين على أرواح السكان، حيث لا معابر مفتوحة والأصوات المطالبة بفك الحصار وإرسال المساعدات لا تهدأ. فازت الصورة الناقصة.
لم تمضِ خمسة أشهر على إغلاق طريق إمداد المعارضة شمالي المدينة من ناحية الكاستيلو، لكن عشرات النداءات عن مخاطر المجاعة وعن 250000 نسمة تحت الحصار (حسب أرقام الأمم المتحدة) لم تتوقّف.
ليس من يعرّي الممثّل البارع في تلفيقه. خُطفت نصف مدينة وزوّرت راياتها ومطالبها. المسلحون خرجوا في اليوم الأخير بسيارات مسروقة، جمعوا ما استطاعوا من سلاح وتوجّهوا خارج مدينة لفظتهم. خرجوا كما دخلوا يوماً، غرباء اتخذوا من حلب عاصمةً.

محالج جبرين

في محالج القطن في قرية جبرين مركز إيواء موقت لنازحين من الأحياء الشرقية. المئات ينتشرون في المقرّ الكبير، وهم ينتظرون «العودة». قلّة منهم من حيّي الفردوس والكلاسة والباقون من ريف المحافظة. سكنوا المدينة خلال الحرب وهم الآن لا يعرفون سبيلهم النهائي حيث تأكل الحرب والفوضى أرياف المدينة.
لدى دخولنا، كان المعنيون في المركز يُشغلون الموسيقى «الشعبية»، ليجتمع عشرات النسوة والأطفال في حلقات الدبكة، بينما آخرون ينتظرون دورهم لتسلّم مساعدات من الأغطية الشتوية والفواكه من إحدى الجمعيات الدولية.
وحدهم، ثلاثة عجزة يمسكون لفافاتهم العربية ويجلسون على الرصيف قرب المدخل بعيداًَ عن صخب الموسيقى. المزارعون الأصدقاء لا يحبّون المدينة و«ضيقها».
«نحن أهل الزراعة... وأرضنا بجانب الكليات (العسكرية)، طالما في حرب نحن هون ما النا محلّ».