بغداد | انتهت معركة الموصل، وخلال مختلف مجرياتها قدّم الإعلاميّون العراقيّون قصصاً عدة من النجاح بمرافقتهم كلّ خطوات استعادة المدينة من «داعش»، حتّى إعلان النصر النهائي أول من أمس، من قلب المدينة التاريخيّة.

لكنّ الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الأداء الإعلاميّ في هذه المعركة، تبدأ من حداثة تجربة الكثير من المراسلين في غمار الحرب.

وُضِع العديد منهم أمام أمر واقع بأن يكونوا مراسلين حربيين، وخسرنا بفعل قلّة احتراز البعض أرواح زملاء، كان مُمكناً الحفاظ عليهم، لو أنّهم لم يندفعوا أكثر باتجاه الخطوط الأماميّة، ومنهم الزميل المصوّر علي ريسان، في «قناة السومريّة».
في هذه المعركة، سخّرت الفضائيات المحليّة ساعات طويلة من بثّها، وارتقى أداء قسم منها إلى مستوى يُشاد به بلا تردّد. ويُشار هنا إلى السرعة في مواكبة كلّ الأحداث، ممثّلة بتجربتي قناتي «NRT عربية» و«السومرية»، إذ تسابقت هاتان المؤسّستان لتقديم سبق خبريّ من الموصل، ولا سيما عبر أوّل من وصل إلى محيط جامع النوري بعد تدميره من قبل «داعش».
على صعيد البرامج الحواريّة، تميّز برنامج «على الأرض» من على شاشة قناة «بلادي» الفضائيّة، والذي قدّم خلاله المحلّل والخبير الأمنيّ عبد الكريم خلف، تحليلات دقيقة ويوميّة عن وضع العمليات في الموصل، مستعرضاً اقتراحات وأفكاراً كانت تصل أولاً بأوّل إلى قيادة العمليات المشتركة.


في هذه المعركة، سخّرت الفضائيات المحليّة ساعات
طويلة من بثّها


وعلى صعيد التوثيق المتواصل للمعارك الجارية هناك، يُذكر ما فعلته قنوات «العراقية» و«العهد» و«الفرات» و«الحدث»، بتوثيقها أجواء استعادة المناطق والأحياء الموصليّة، واحدة تلو الأخرى، لتعرض ذلك تحت عنوان «العراقية (أو العهد أو الفرات أو الحدث) ترافق قطعات مكافحة الإرهاب في تحرير حيّ الشرطة»، أو «ترافق قطعات الجيش في تحرير حيّ العربي وتطهيره».
ولا بدّ في السياق نفسه، من الالتفات إلى الرسالة الإعلاميّة المميّزة لفضائيّة «الموصليّة»، وحضورها في كلّ ميادين الأحداث في الموصل، ومواكبتها لكيفية عودة الحياة إلى الأحياء المحرّرة، وخاصة في شرق المدينة (الجانب الأيسر) بالطبع، ومن ثمّ ما قدّمته من خدمة في كشف «بعض الإرهابيّين الذين تسلّلوا» خلال موجات النزوح من الأحياء التي كانت تنتظر التحرير. وبذلك، حضرت على شاشتها قصص واقعيّة عن جوانب إنسانيّة ومأسوية، مثل قصّة طفل قُتلت عائلته بالكامل وبقي وحيداً تحت الأنقاض لتنقذه فرق «جهاز مكافحة الإرهاب». وقُدمت هذه التغطية وسط تبيان القناة لكمّ الخراب والتدمير الذي لحق بالمواطن الموصليّ وبمدينته.
«قناة الشرقية» اهتمت أيضاً بمتابعة وتقديم تقارير دوليّة عن أوضاع النازحين من الموصل. وبصرف النظر عمّن يختلف مع رسالتها وخطابها، إلا أنّ هذا الاحتراف والخبرة المعروفة لدى «الشرقية»، والذي بدا في برامجها الحواريّة المُتابعة والمهمّة، لم يُوظّف (ميدانياً) ليكون مراسلوها بين المقاتلين وبين الموصليّين لحظة نزوحهم، إذ هي اعتمدت على ما تبثّه الوكالات الدوليّة، مثل «رويترز» وغيرها.
ولعلّ من المهم أن يدرك الزملاء في قناة «العراقيّة» التابعة لشبكة الإعلام العراقيّ، أن لا أحد يريد غبن الجهود الكبيرة التي بذلها مراسلوها في كلّ المعارك، ومنها معركة الموصل. إلا أنّ إدارتها مدعوة لأن تنظر إلى الساحة الإعلاميّة لمعرفة أسباب ذهاب جمهور من المتابعين إلى تفضيل قنوات أخرى عليها. جملة من الأسباب وراء ذلك، في مقدّمها حاجة إدارة القناة إلى مراجعة النهج الإخباريّ ككلّ والإقلال من ساعات الاستضافة في الاستديو، وإعطاء مجال أكبر للمراسل في الميدان لكي ينقل وقائع، لا أن يلتقي بالقادة وكبار الضباط فقط (ليس في حدث الموصل فحسب، وإنّما في كلّ الأحداث).
مدير «العراقيّة الإخباريّة» علي الكناني، عليه أن ينتبه ربما لِماذا حظيت المراسلة اللبنانيّة سلمى الحاج، بكلّ هذا الثناء والاهتمام في العراق وهي تقدّم صورة حقيقيّة وصادقة عبر فضائية «الميادين». وذلك في حين أنّ ذهابه إلى الموصل قبل ساعات فقط من إعلان النصر، لم ينل أيّ اعتبار من قبل المراقبين والمتابعين. مثل هذه الخطى لن تعطي السبق الصحافيّ أبداً، ولن تقنع المواطن الذي صار يتابع محطّات ويرى من الأداء الكثير في بحر من الفضائيات والإمكانيات. لذا، فالأمل معقود فعلاً لأن نرى من إدارة «العراقيّة» التقليل من حضورها «الشخصيّ» في الشاشة، لأنّ محصلة ذلك غير مقنعة ومفتعلة.
ضمن هذا المشهد كله، برزت «فضائيّة فايسبوكيّة» جديدة، وهي صفحة تبثّ بنحو مباشر، ولاقت الكثير من التشجيع والإشادات، سواء في الموصل أو في غيرها من المدن التي كانت محتلة، وهي «الخوة النظيفة» التي أبدع فيها اثنان من الشباب المراسلين، هما: التوأم حسن رحم وحسين رحم، إذ انتقلا في الموصل من شارع إلى شارع، فنقلا طبيعة الأجواء هناك بشجاعة تحسب لهما.