قالها غسان القلاع، رئيس غرفة تجارة دمشق، أمام حاكم مصرف سوريا المركزي أديب ميالة في لقاء نظمته الغرفة أخيراً: «مشكلة تمويل المستوردات تبدأ من إجازات الاستيراد التي قد نتغاضى عن منح إجازة لمادة السكر لتاجر دون غيره، لكن ليس مقبولاً رفض إجازة استيراد لمادة غذائية ومنح أخرى لمواد تجميل»، ليأيته رد الحاكم سريعاً: «وليس مقبولاً أيضاً إعطاء إجازات استيراد للسكر والأرز لتهرّب إلى لبنان والعراق، ما يوجب اتقاء شر التجار الفاسدين».


تصريحات التجار النارية في الاجتماعات العلنية والمغلقة يقابلها صمت المصالح عند التحدث إلى تاجر بمفرده خشية مواجهة مباشرة مع وزارة الاقتصاد، التي قصدنا مديريتها في دمشق للوقوف على ادعاءاتهم، ليقول أحد مستوردي السماد الزراعي لـ«الأخبار»: «التجاوزات هنا محدودة، لكنها تكثر في المحافظات الأخرى كحمص، وبالعموم التأخير يكون من الجهات الأخرى التي تأخذ وقتاً طويلاً في التدقيق بإجازات الأسمدة والأدوية والمواد الكيماوية لغياب الخبراء، الذين أن وجدوا سيختصر الوقت كثيراً».
يخالفه أحد موظفي المديرية كونه أدرى بكواليسها بقوله: «أتولى تسيير معاملات بعض التجار مقابل مبلغ مالي أوزع بعضه على الموظفين لتسريع إنجازها، فهم لن يقبلوا بذلك من دون مقابل»، بينما أكد معقب معاملات مرخص أن المبلغ الذي يقبضه من التجار يختلف حسب كل إجازة وبندها الجمركي، لكنها لا تتجاوز في حدها الأقصى 20 ألف ليرة، ومن يقول إنه يدفع أكثر من 100 ألف غير صادق إلا إذ كان معقب المعاملات غير مرخص بشكل يعرضه للنصب، وهذا غير وارد كون التاجر «حربوق». وهنا يؤكد مستورد مواد غذائية دفع حوالى 200 ألف ليرة للحصول على إجازة لمادة البن، محملاً غرفة تجارة دمشق المسؤولية لعدم دفاعها عن مصالح التجار. وهو اتهام يرفضه نائب رئيس غرفة تجارة دمشق، بشار النوري، فيقول: «سمعنا بدفع بعض التجار مبالغ كبيرة، وهذا وارد عبر الدفع لمعقبي المعاملات، والغرفة تدافع عن مصالح التجار، لكن قلمنا ليس أخضر، وعموماً بإمكان من تعرض لذلك التقدم بشكوى إلى الغرفة لرفعها إلى وزارة المالية لخصم الأموال المدفوعة من الضريبة المفروضة». ويشدد في حديثه إلى «الأخبار» على أن «التجار لن يسكتوا بعد الآن على الممارسات الخاطئة، وخاصة أن وزارة الاقتصاد لا تمتلك برنامجاً واضحاً للمستوردات، ما يضع التاجر في قلق مستمر».
رئيس جمعية العلوم الاقتصادية في اللاذقية الدكتور سنان ديب اعتبر الفساد بإجازات الاستيراد «يتقاطع جزئياً مع سياسات إدارة الأزمة، وللأسف السلوكيات الفاسدة المُحتمية بالأزمة الأكثر استفادةً بتخصيصها بسلع معينة ومنعها عن آخرين عبر عرقلات روتينية والتلاعب بسعر القطع لحصر الاستيراد بتجار محددين».

خيار وفقوس

حينما يستغرق الحصول على إجازة الاستيراد أكثر من عشرين يوماً سيحدث نوع من الفساد بسبب الإجراءات المعقدة حسب عمار بردان نائب رئيس غرفة تجارة دمشق، الذي يقر بوجود محاباة لبعض التجار، إنما في المقابل رفضت طلبات تجار كبار معروفين «للتريث» بدعوى عدم حاجة السوق.
وفي نبرة انتقاد أشدّ، يقول مصدر في هيئة المنافسة ومنع الاحتكار: «يجب وضع ضوابط محددة تبين المسموح والممنوع وليس دراسة كل حالة بمفردها وفقاً لرغبات شخصية تسيء إلى صاحب القرار عند منحه إجازة استيراد لزيد ومنعها عن عبيد»، متسائلاً: «هل يعقل إعطاء إجازة استيراد لتاجر متنفذ والسماح له باستغلال الظرف الراهن، ثم يضرب ضربته ويهرب خارج البلد الذي يحتاج إلى تجار وطنيين».
لا يلقى حديث التجاوزات في إجازات الاستيراد استحساناً عند الصناعيين بعد التوجه الحكومي لدعم الصناعة المحلية، حيث يؤكد عضو مجلس غرفة صناعة دمشق وريفها، أكرم الحلاق، عدم وجودها إطلاقاً، «فالموافقة على إجازات مستلزمات الإنتاج الصناعي تمنح خلال 48 ساعة عند استكمال الإجراءات أصولاً، باستثناء المواد الكيماوية، فاليوم نفس الدولة مع الصناعي، لذا ما يتعرض له التجار ليس شأننا، والأفضل منع الاستيراد نهائياً».

إجازات وهمية

يبرز فساد بعض التجار جلياً بإجازات الاستيراد الوهمية، التي يراها مدير التجارة الخارجية في وزارة الاقتصاد، ثائر فياض، مشكلة فعلية في ظل كثرة الأسماء الوهمية عبر تقدم تجار للحصول على إجازات والبضاعة ليست لهم. ومع ذلك، لا يمكن رفض طلب أي تاجر طالما أن أوراقه نظامية لتكون مسؤولية تحديد دخول أشخاص جدد ليسوا تجاراً إلى السوق مهمة اتحاد غرف التجارة، علماً بأن الوزارة طلبت من جميع الاتحادات تحديد مستوردي السلع الأساسية الفعليين بغية تنظيم عملية الاستيراد دون أي استجابة. وهنا لا ينكر بردان وجود فساد بين التجار يرده إلى الإجراءات المعقدة، فبرأيه طالما وجدت أسبابه سيستغل ضعاف النفوس من الطرفين هذا الخلل، ليؤكد أن الهاجس الأكبر يبقى التهريب. «فاليوم لا نريد تكرار أخطاء الماضي عبر استفادة دول الجوار على حساب سوريا، حيث توجد معلومات مؤكدة بأن سلعاً قل استيرادها في سوريا تضاعفت في لبنان وتركيا، فمثلاً سوريا كانت تستورد 24 مليون كيلو شاي سنوياً واليوم 12 مليوناً، بينما تستورد تركيا 25 مليون كيلو بعدما كانت 11 مليوناً فقط». إنما فياض يرفض هذا الاستنتاج، فترشيد المستوردات لم ينعش التهريب الذي سببه الحرب وخروج الأموال إلى الخارج وارتفاع سعر الصرف، فأغلبية السلع تأتي بطرق نظامية لكن تنظيم عملية الاستيراد يتطلب تعاون الجهات العامة والفاعليات الاقتصادية»، بينما يبين عمار بردان أن إزالة أسباب الفساد تتطلب «السماح باستيراد السلع وترك السوق يقنن نفسه بنفسه»، ليشدد مصدر هيئة المنافسة على «ضرورة وجود رقم إحصائي دقيق وخطة واضحة لترشيد المستوردات، لكن طالما لا يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب سيكون الأمر صعباً».