يبدو أن زيارة وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، لدول الخليج، لن تسفر عن أكثر من عملية تقنين للنزاع المندلع بين السعودية والإمارات من جهة، وقطر من جهة أخرى، بما يقلّص مروحة الخيارات المتاحة أمام معسكر دول المقاطعة، ويَقصُرها على المسموح به وفق ضوابط واشنطن ومحدداتها.


خلاصة كان وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، شديد الوضوح في تجليتها، عندما قال للصحافيين، أثناء زيارة يقوم بها لسلوفاكيا، إن «زيارة تيلرسون لن تحلّ الخلاف على الأرجح»، مضيفاً أنها «ستهدئ التوترات». لكن اللافت أنّ المسؤول الإماراتي اختتم تصريحه بأن الجولة الأميركية «ستؤجل المشكلة التي ستتفاقم في المستقبل»، وهو ما يفتح الباب على تصعيد إضافي يمكن أن يتخذ أشكالاً عدة.
وغادر تيلرسون، مساء أمس، مدينة جدة السعودية، عائداً إلى الكويت، التي يعود منها، اليوم، إلى قطر، حيث سيلتقي أمير البلاد، تميم بن حمد، منهياً جولة استمرت أربعة أيام، دون أن تؤدي إلى بروز انفراجة واضحة في أفق الخلاف. وحتى أكثر المتفائلين في الدوحة بما يسميها «كلمة السر الأميركية» لا تعدو توقعاته حدود تجميد النزاع، والاستعداد لجولة جديدة لن تفصلها، على الأرجح، عن الجولة الأولى، المسافة الزمنية نفسها التي فصلت أزمة عام 2014 عن أزمة اليوم.


أكثر المتفائلين
في الدوحة لا تعدو توقعاته حدود
تجميد النزاع

وخيّم التشاؤم، أمس، على اجتماع وزير الخارجية الأميركي بنظرائه السعودي، عادل الجبير، والبحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، والمصري، سامح شكري، إضافة إلى وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، ووزير الدولة الكويتي، محمد عبد الله الصباح، في جدة. واستبق مسؤول إماراتي بارز محادثات جدة بالتشديد على أن «أي حل للأزمة يتعين أن يبدد كل المخاوف التي أشارت إليها الدول الأربع التي تقاطع قطر، ومنها تقويض الدوحة لاستقرار المنطقة». ولم يصدر في أعقاب الاجتماع أي بيان رسمي أميركي يحمل إشارة إيجابية إلى ما دار خلاله، كذلك لم يصدر أي بيان مماثل عن الدوائر المعنية في دول المقاطعة، الأمر الذي أسهم في إحاطة المباحثات بمزيد من الأجواء السلبية.
أجواء تكثفت سُحُبها منذ ليل الثلاثاء - الأربعاء، حيث عزفت صحف عواصم المقاطعة على نغم واحد، منتقدة أداء تيلرسون، ومشيرة إلى أنه «يعقد المشكلة المعقدة أصلاً، ويطيل في زمن الأزمة». وصباح الأربعاء، غرد قرقاش على حسابه في موقع «تويتر»، قائلاً إن «الدبلوماسية يتعين أن تعالج دعم قطر للتطرف والإرهاب وتقويضها لاستقرار المنطقة»، مضيفاً أن «الحل المؤقت لن يكون حكيماً». ورأى قرقاش أن «أمامنا فرصة فريدة لتغيير ذلك. هذه ليست أربع دول خليجية تتناحر»، لافتاً إلى أن «جذور الخلاف ترجع إلى غياب الثقة».
وتحول اجتماع لمجلس وزراء الإعلام العرب في دورته الـ48 في القاهرة، عصر أمس، إلى ساحة تراشق بين قطر من جهة والسعودية والبحرين من جهة أخرى. وشن وزير الإعلام البحريني علي الرميحي، في كلمته أثناء الاجتماع، هجوماً على قناة «الجزيرة»، متهماً إياها بأنها «تسعى بشكل ممنهج لاستهداف الأمن والاستقرار وترويج الشائعات والأكاذيب»، وهو ما حمل مندوب قطر الدائم لدى الجامعة العربية، سيف بن مقدم البوعينين، على الرد بمداخلة أشار فيها إلى «(أننا) لا نريد الدخول في مهاترات»، مؤكداً، في الوقت نفسه، أن «ما تورده قناة الجزيرة هو مجرد أخبار والرأي والرأي الآخر، وأن الحقيقة مثل الشمس لا يمكن تغطيتها بالغربال».
بدوره، شن وزير الإعلام السعودي، عواد بن صالح العواد، هجوماً مماثلاً على «الجزيرة»، مطالباً إياها بـ«ضرورة الكف عن الدعوة للعنف والتطرف». ولما بادر المندوب القطري في محاولة الرد على الوزير السعودي، طالباً من رئيس الاجتماع، الوزير التونسي، مهدي بن غريبة، منحه حق الكلام بقوله: «من حقي أن أطلب المداخلة في أي وقت للرد على الهجوم على بلادي»، مانع بن غريبة السماح له بالتكلم مجدداً، طالباً منه التزام الصمت، ما دفعه إلى مغادرة الجلسة لدقائق قبل أن يعود إليها.
وفي وقت لاحق، أُعلن عن رسالة بعث بها أنور قرقاش، في 9 تموز الجاري، إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، زيد بن رعد الحسين، اتهم فيها «الجزيرة» بأنها «تجاوزت مراراً عتبة التحريض إلى العداء والعنف والتمييز»، مضيفاً أنها «روجت للعنف المتصل بمعاداة السامية من خلال إذاعتها لمواعظ وخطب الزعيم الروحي للإخوان المسلمين، يوسف القرضاوي، التي أشاد فيها بهتلر، ووصف الهولوكست بأنها (تأديب إلهي وعقاب قدري)»، في مزايدة غريبة من قبل قرقاش على واشنطن وتل أبيب. وتابع الوزير الإماراتي أن «الجزيرة وفرت منصة لكل من أسامة بن لادن، وأبو محمد الجولاني، وآخرين من زعماء تنظيمات مصنفة إرهابية في دول عربية وفي أوروبا والولايات المتحدة».
وفي وقت يستمر فيه التقاذف بين عواصم المقاطعة وبين الدوحة التي يكثف إعلامها راهناً التصويب على دورَي الرياض وأبوظبي، نابشاً في الملفات القديمة، وناشراً غسيل ملفات كانت حتى وقت قريب من المحرمات (من ذلك، على سبيل المثال، ملف دور شركة «بلاكووتر» في اليمن، والذي وُصف حديث الإعلام المناوئ للعدوان، سابقاً، عنه، بأنه «فبركة وتلفيق»)، تتجه الأنظار إلى جولات دبلوماسية إضافية ستشهدها المنطقة، بدءاً من السبت والأحد المقبلين، مع زيارة يقوم بها وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان. إلا أن الثابت والمؤكد، حتى الآن، أن لا أحد يملك عصا سحرية لوقف التدهور المتسارع في علاقات «الأشقاء»، وأن المستقبل مفتوح على احتمالات عدة تبدو، حتى لناحية الكلمة الأميركية فيها، ضبابية وغير واضحة المعالم.
(الأخبار)