يرى الرئيس السابق لدولة «اليمن الجنوبي» المنحلّة، علي ناصر محمد، أن النزعة الانفصالية لدى الجنوبيين لم تكن موجودة تاريخياً. لكن هذا لا يعني عدم وجود بعض التيارات السياسية في مراحل مختلفة كان لها نزوع يمكن وصفه بـ«الانعزالي» أكثر من وصفه بـ«الانفصالي»، يقول محمد لـ«الأخبار»، بمعنى أنها كانت تراهن على جغرافية محددة معزولة عن محيطها، سواء على مستوى اليمن الطبيعي أو الجزيرة العربية عموماً.


وفي محاولةٍ لاستعراض الأسباب التاريخية التي أدت إلى بناء مواقف الجنوبيين في اليمن من العدوان السعودي اليوم، يضيف الرئيس محمد أنه بعد إعلان الوحدة عام 1990، ظهرت نزعات انفصالية، ولكن كانت فردية، ويمكن أن توضع في خانة الفعل وردّ الفعل، إلى أن جاءت حرب صيف عام 94، وفجّرت الموقف.

توقف «أنصار الله» عند حدود الجنوب مراعاةً للقضية الجنوبية
وبالرغم من ذلك، ظلّ صوت الانفصال خافتاً، بدليل أن الاحتجاجات على الظلم لم تبدأ بالمطالبة بالانفصال مباشرة، فقد ظهرت تيارات تراكمية، بدءاً من المطالبة بإصلاح مسار الوحدة، مروراً بحركة «التصالح والتسامح»، وصولاً إلى «الحراك الجنوبي» الذي لم ينتقل من المطالب الحقوقية المشروعة، إلا بعد تجاهل تلك المطالب، وتعدّى الأمر ذلك إلى القتل أحياناً والاعتقالات والتضييق، بمختلف الأشكال، الأمر الذي انتقل بسبب الممارسات التمييزية إلى المطالبة بالانفصال، أو ما يسمى فكّ الارتباط والاستقلال.
ويرى الكثير من الجنوبيين أنهم قدموا كل ما يتطلب تقديمه للوحدة، وأنه في المقابل فشلت الدولة المركزية في الحفاظ على حقوقهم، والنهوض بالبلد، خصوصاً أن اليمن الجنوبي قبل الوحدة كان وضعه الاقتصادي مقبولاً نسبياً مع تطور نظامه المدني والاجتماعي، ثم إن التوقف عند الحالة التي وصل إليها النظام الاشتراكي السابق، يعني عدم الإفادة من مفاعيل الوحدة، وسيُظهر بالتأكيد الفارق بين ما كان سائداً في الدولة الجنوبية السابقة، وبين الانخراط بدولة مركزية. فكيف إذا كان الحال أكثر سوءاً وتراجعاً، وهذا ما حصل علمياً، لأن دولة الوحدة لم تكن على مسافة واحدة من مواطنيها، من حيث التقديمات والرعاية والخدمات والنمو والتطور، وللانصاف الشيء ذاته ينطبق على الشماليين، إذ إن تكوين الدولة كان مبنياً على أسس قبلية ومراكز نفوذ وقوى، يتقاسم فيها الزعماء والسياسيون الموارد بما يخدم توسعهم وبسط نفوذهم.
لكن أبرز المسائل التي أفشلت الوحدة بحسب الجنوبيين، يمكن إيجازها على النحو الآتي:
- الانتقال إلى النظام القبلي الذي تتحكم فيه مراكز النفوذ والقوى، بدل الشروع بتطوير نظام الحكم وصهر المجتمع بشطريه.
- قيام حكومة صنعاء بإقصاء جماعي للجيش الجنوبي السابق، من دون التعويض على ضباطه وجنوده، ما سبب أزمات اجتماعية وسياسية كبيرة.
- استيلاء السلطة المركزية على أراضي الجنوب. وبينما كانت الدولة تملك باسم الشعب، فقد لجأت السلطة المركزية الى توزيعها على المحسوبيات والقوى النافذة في الحكومة المركزية.
- حصر المستفيدين من العائدات النفطية، (معظهما في الشطر الجنوبي) بالشركات الخاصة والقوى النافذة بالدولة المركزية، من دون أن يلحظ أي حصة للجنوب.
- حرمان كوادر وقيادات الجنوب الوظائف الحكومية العليا، وصولاً إلى جعل الجنوبين يتندرون بأن عبد ربه منصور هادي شغل منصب نائب للرئيس لمدة 18 عاماً من دون قرار جمهوري.
- وضع تنظيم إداري للمحافظات، يُنتخَب بموجبه أعضاء المجلس النيابي، بطريقة تهضم حقوق الجنوبيين وتحرمهم التمثيل الحقيقي.

حراك عام 2011

على أثر الحراك الشعبي عام 2011، اهتزت أسس المنظومة الحاكمة في البلاد، من دون أن تسقط بالكامل. وبدلاً من أن يكون البديل خاضعاً لما يريده الناس، جرى احتواء الثورة بالمبادرة الخليجية، التي استقال بموجبها الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وعين نائبه عبد ربه منصور هادي رئيساً للجمهورية. غير أن هذه الخطوة لم توقف الثورة الشعبية، وبقيت قضيتا الجنوب وصعدة تتصدران أولوياتها، إلى أن احتدم الصراع بين «أنصار الله» و«القاعدة» والقوى التكفيرية الأخرى، وتدحرج الصراع من دماج، وكتاف إلى عمران ثم صنعاء وبقية المحافظات الشمالية. لكن زحف «أنصار الله» توقف عند حدود الجنوب. وجرت مراعاة القضية الجنوبية، بالتزامن مع إعلان متكرر لقيادات الحركة عن احترامها للمطالب والحقوق المشروعة لقضية الجنوب.
وقبل شهر واحد من العدوان، فرّ هادي إلى عدن، متخذاً منها مقراً له. هادي لم يتحدث مباشرةً عن انفصال الجنوب، ولكن المحيطين به أعطوا إشارات تشي بتأييده الضمني للانفصال، خصوصاً أن الفترة التي قضاها في عدن، شهدت لقاءات له مع عشرات الوفود المصطنعة، كان بعضها يدعو إلى الانفصال. لكن التحضير للعدوان جعل المنظومة الإعلامية والمالية الخليجية، تنطلق في حملة التحريض المذهبي والمناطقي في شطري البلاد، الأمر الذي انتهزه دعاة الانفصال الجنوبي، فحشدوا باتجاه الانفصال. وباستثناء محافظة حضرموت التي سيطر عليها تنظيم «القاعدة»، حسم الجيش و«اللجان الشبيعة» الموقف لمصلحتهم في معظم المحافظات الجنوبية، من خلال السيطرة على المواقع الاستراتيجية وتعمد عدم الدخول إلى الأحياء الشعبية، وترك للسلطات المحلية إدارة شؤون الناس بالتنسيق مع الجيش و«اللجان الشعبية». وبقيت بعض المديريات التي لم تحسم بعد لمصلحة الجيش مثل دار سعد وعثمان والبريقة في عدن، ومدينة الضالع في المحافظة التي تحمل الاسم نفسه، بسبب اتخاذ المدنيين فيها دروعاً بشرية من قبل المسلحين.
وبعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر من العدوان، بدأ المزاج الجنوبي اليمني، ينحو باتجاه البحث عن إيجاد مخرج لما يصفونه بالحرب العبثية، التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بحسب تعبير العديد من القيادات الجنوبية. ويعود تغير المزاج إلى تراكم عدد من المستجدات، أهمها:
أولاً، الخطاب «التطميني» لزعيم «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، الذي وجهه إلى الجنوبيين بأن الحكم في المحافظات الجنوبية سيكون للجنوبيين، وأنهم هم من يختارون ممثليهم، إضافة إلى العديد من رسائل الطمأنة من قادة سياسيين لـ«أنصار الله».
ثانياً، التعامل الإيجابي للجيش و«اللجان الشعبية»، في المناطق المحررة والاسراع في إصلاح الكهرباء والماء وفرض الأمن في المناطق التي تخضع لسيطرتهم.
ثالثاً، صدور بيانات من بعض الشخصيات السياسية الجنوبية، تطالب بوقف الحرب والحوار والتعويض عن المتضررين، وهذا الاتجاه يقوده الرئيس السابق لليمن الجنوبي السيد علي ناصر محمد.
رابعاً، دعوة مؤتمر الرياض إلى دولة اتحادية، وعدم تضمينه حلولاً للقضية الجنوبية.
خامساً، التلاعب السعودي بالقضية الجنوبية، حيث أصبح واضحاً للجميع أن هاجس النظام السعودي، هو السيطرة الكاملة، وأن ما يريدونه مباشرةً من الجنوب الآن، هو اقتطاع ممر من الأراضي السعودية عبر حضرموت، وصولاً لبحر العرب، لتفادي العبور عبر مضيقي هرمز وباب المندب. هذا ما كان يعرفه جيداً بعض القادة اليمنيين، وكُشف عنه أخيراً بوثائق «ويكيليلكس» الخاصة بالخارجية السعودية.
سادساً، إدراك أن الانفصال دونه عوائق داخلية وخارجية، وبحاجة إلى توافق دولي غير متوافر في المدى المنظور.
سابعاً، واجهت الفصائل المسلحة العديد من المشاكل المستعصية، فانعكست سلباً على حضورها في الشارع الجنوبي، وأبرزها عدم وجود إطار تنظيمي موحد لفصائل ما يسمى «المقاومة» والتنافس في ما بينها. وهو أصلاً نتاج الاختلاف الفكري بين الفصائل التي تسمّي نفسها «مقاومة»، من أقصى اليسار والاشتراكية إلى الفكر القاعدي الوهابي والسلفي.
يضاف إلى كل ذلك شعور الجميع بأن استمرار الحرب ليس له أفق سياسي، في ظلّ تحوّل المواجهات إلى حالة من الفوضى وسط اتهامات للقادة الميدانيين بالسرقة والجريمة المنظمة.