طهران | تتفاجأ في إحدى الجلسات في طهران، بأنّ جليسك كان مترجم الراحل محمد حسنين هيكل، حين زار الأخير إيران في عهد الرئيس الراحل علي أكبر رفسنجاني. تكثر أسئلتك بعد ذلك، علّك تتقرب من تلك الزيارة، لكن بلا نجاح. كل ما تفهمه أنّ هيكل كان «في أوقات فراغه، ينده (للمترجم) ليتحادث وإياه... في الكثير من القضايا، فالأستاذ كان محباً للنقاشات» (وكثير الاستطراد في أحاديثه).


تفهم، بعد إلحاح، أنّ تلك الجلسات كانت تصل مثلاً إلى «حديث الأستاذ هيكل عن حبه للسيّدة أم كلثوم، وعن عبد الحليم حافظ»، أو إلى «توضيحاته بأنّ الترجمة عمل خطير جداً، قد توصل الأخطاء فيها إلى الحروب».
قد تضطر إلى الاعتذار من «المترجم»، لأنّ الحديث كان خاصاً وليس للنشر. لكن أن يحضر هيكل بهذه الطريقة خلال زيارتك لطهران، ليس صدفة جميلة فحسب، بل يذكرك ذلك بضرورة التقرّب إلى هذه المدينة مهما كانت طبيعة ما قد ينفرك، إذ نحن «مختلفون داراً، ولكن كلنا في الهمِّ شرقُ».

إلى السياسة... مجدداً

لافت في هذه المدينة، أنه حين تلتقي بمسؤوليها، أو حتى حين تتحدث إلى من هم «على هامش السياسة، والنظام»، فإنّ انفتاحهم على النقاش السياسي وتقبّله يستوقفك، مهما قسوت في انتقاداتك. ربما هذه تجربة شخصية، وليست عامة. لكن من تتوجه له بالقول: «إنكم ساهمتم وتساهمون، في نشر الطائفية»، لا يردّ بانفعال، بل يطيل في التفنيد. لن تقتنع ربما بما يقول، خاصة أنّ خلفيتك لا تلتقي على هذا الصعيد مع خلفية مسؤول في «الجمهورية الإسلامية». لكنك ستكمل، فتتهم إيران مثلاً بأنّها تسعى اليوم إلى إعادة إحياء مفهوم «الصحوة الإسلامية»، منطلقة من بوابة إعادة علاقاتها مع جماعة «الإخوان المسلمين»، وأبرز أطرافها الإقليمية، بما يخالف توجهات ومنطلقات حلفاء لها. هنا أيضاً تلقى إجابات طويلة، ومدروسة.


لا أحد عملياً في إيران
ينفي وجود خلاف بين فريقَي روحاني و«القائد»

تجرؤ أكثر مع مرور الوقت، فتطرح السؤال الشاغل: هل صحيح ما يُحكى عن خلافات بين المرشد السيد علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، خاصة أنّ هناك تصريحات لافتة، تؤيد هذه الفرضية؟ لعلّه واحد من بين أهم أسئلة يجب أن تُطرح اليوم في أي زيارة لإيران، وإن كانت اللياقة تفرض عليك ألا تطرح سؤالك بالطريقة «الفاقعة»: هل يحوم طيف الرئيس المعزول عام 1981 أبو الحسن بني صدر، فوق إيران؟ بمعنى، هل ممكن أن يُعزل روحاني؟
بهذا السؤال تدخل، ضمن وفد إعلامي، إلى لقائك بمدير وكالة الأنباء الإيرانية «ارنا» محمد خدادي. تصرّ على طرحه خاصة بعد أن تلمس غياب روحاني في مجمل حديثه، وتسند سؤالك بذلك. لا يسخر هذا الرجل من السؤال، فمن الطبيعي أن يمثّل الحكم والسلطة ساحة تنازع النفوذ والسلطة، أياً كان النظام القائم. يوضح خدادي أنّ «اختلاف وجهات النظر في الحكم أمر طبيعي»، ملمحاً في الوقت نفسه إلى أنّ نظام الجمهورية الإيرانية يمنع في الأصل حصول تصادم «حديدي». فالرئيس الإيراني، وهو بمثابة رئيس للحكومة أيضاً، «يرأس، وفق الدستور، مجلس الأمن القومي الأعلى، الذي تُعدُّ مهمته الرئيسة تأمين المصالح الوطنية وحراسة الثورة الإسلامية ووحدة لأراضي البلاد، والسيادة الوطنية»، وهذا وحده دور ذو أهمية كبرى، إذ من بين مهمات هذا المجلس «تعيين سياسات البلاد الدفاعية والأمنية والاجتماعية للبلاد» (مع العلم بأنّ ذلك لا يتم إلا «في إطار السياسات العامة التي يحددها القائد»، السيد علي خامنئي). وعليه، يقول خدادي إنّ «اتخاذ القرار في إيران أمر واضح، والتنفيذ أوضح... خذ مثالاً على ذلك سوريا، حيث برغم انتقال الرئاسة في 2013، فإنّ سياستنا بقيت على ما كانت عليه».
بما يخص سوريا والعراق، وربما أيضاً لبنان، إنّ السياسات الإيرانية لم تتغير، لكن كما يُقال: «تسكن الشياطين في التفاصيل». لا تضيف، وتكتفي بتلك الإجابة. تفهم أكثر، حين تتذكر أن خدادي بدأ اللقاء بحديث لافت، قال فيه ما معناه إنّ السياسة الخارجية لإيران اليوم تقوم على ركيزتين: وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وقائد فيلق «القدس» قاسم سليماني... «وكلنا على أمر هذا الرجل»، مشيراً بإصبعه إلى صورة خامنئي المعلقة على يمين صورة الإمام الخميني.
هنا، تمازح صديقاً إيرانياً كثير الاطلاع، بالقول: «أنا في إيران مع الإصلاحيين، وخارجها مع الحرس الثوري»، فيجيبك بعبارة كلوزفيتس: «إنّ الحرب استكمال للسياسة، بأساليب مختلفة». ودون سؤاله، يعيد وحده رسم الصورة الثلاثية الأبعاد: روحاني ــ ظريف، سليماني، وعلى رأس الهرم خامنئي، موضحاً أنّه يريد القول من خلال عبارة كلوزفيتس إنّه «في سوريا مثلاً، فإنّ وزارة الخارجية لا تعارض دور الحرس، لكنها تريد استكمال المسار حين يحين الظرف المناسب (للتسويات السياسية)، بمعنى أنّ السياسة في حينه، ستكون استكمالاً للحرب».
لا أحد عملياً في إيران ينفي وجود ذلك الخلاف بين فريق روحاني وفريق «القائد»، والتصاريح التي يمكن الاستناد إليها عدة. وهذا «الخلاف» بدأ منذ ما قبل التوصل إلى الاتفاق النووي، إذ إنّ «هناك من يعتبر أنّ القائد لم يكن يريد استكمال التفاوض مع الغرب»، وبرغم ذلك، فهو دعم الفريق التفاوضي، «مثنياً في حينه على شخص ظريف»، وفق الصديق المطلع. طبعاً، هذا «لا يعني بتاتاً أنّ الأمور ستذهب إلى ما هو أكثر تعقيداً بين الطرفين، لأنّ المؤسسات في إيران مقامة بصورة تمنع التصادم والطلاق».

تبدلات «الانفتاح»

يجزم عارفو العاصمة طهران بأنّ هناك تبدلات تطرأ على المدينة، خاصة بعد توقيع «الاتفاق النووي» قبل عامين، وهي نتيجة «تراكمات». هذه التبدلات تظهر في محاولة السلطات الإيرانية «كسر الصورة التي صنعها الغرب عن إيران ــ الإسلامية»، يقول أحد المسؤولين. ولعلّها تظهر أيضاً في الاهتمام في السياحة. صحيح أن لا أعداد كبيرة من السياح تحضر راهناً إلى إيران، لكن الاهتمام بالأبعاد التراثية والتاريخية، بدلاً من تلك الدينية، يبدو أنه يقوى في «الجمهورية الإسلامية» (في بداية زيارتك ضمن وفد، يأخذك معدّو الزيارة (الرسميون) إلى قصور الشاه للتعرف إليها).
تشعر في زيارة تلك القصور بـ«عقدة تركية» لدى طهران، بمعنى أنّ ثمة من يريد اليوم التمثّل بالتجربة التركية من ناحية دعم السياحة والاستثمار الكبير فيها، ومن ناحية التركيز على أبعاد غير دينية فيها. بقوة شديدة يظهر الأمر، في مدينة أصفهان، «مدينة الصفويين» المثقلة برموزها وبمعالمها التاريخية. إلا أنّ «التمثل بالتجربة التركية لن ينجح في إيران، نظراً إلى التعقيدات الخاصة بكل مدينة، ففي أصفهان يمكن تكريس انفتاح بصورة أو بأخرى، وأكثر بكثير مما يمكنك فعله في مدينة مشهد، حيث ترفض سلطاتها الدينية التوجه نحو الانفتاح لغرض جذب السياح»، يقول الصديق الإيراني.
قد يكون من الخطأ النظر إلى مجمل هذه التبدلات، دون أخذ ما قد يسمى «صراع القطبين» (بين المحافظين والإصلاحيين، إذا صح التعبير)، في الاعتبار. وتشرح أمام مضيفيك أنّ الاهتمام بتبدلات كهذه، وبتطورات السياسة في الجمهورية الإيرانية، لا ينبع من فراغ، بل هدفه بالأساس محاولة فهم ذلك لتبيان أي انعكاسات «علينا». لكن هؤلاء يجيبون بجملة واضحة: «الجمهورية الإسلامية لا تتخلى عن ثوابتها».
هكذا تخرج من طهران ببعض الإجابات على هواجس كنت تحملها معك، وتعرف أنك ستعود إليها بهواجس جديدة. لكن حتى ذلك الوقت ــ إن كنت قد اقتنعت بكل الإجابات أو لا ــ فإنك لمست في خلفية كل الأحاديث بأنّ المشكلة الرئيسة لا تزال قائمة: إنها العلاقة العصية بين إيران ــ «الجمهورية الإسلامية» والغرب، ومجمل ما يحصل هو نتاجها ومن مفرزاتها. وفي ظل كل التطورات التي شهدتها دول «المشرق» في الأعوام الأخيرة، فربما بتّ تدرك أنّ هذه الدول باتت مرتبطة بصورة لصيقة بإشكالية هذه العلاقة. وعليه، ففي الدولة التي يمثّل فيها «القائد، المرجع الأول والضمانة»، لا ضير من أن تغادرها بالقول مجدداً: «(بتنا) كلنا في الهم شرق»... (وعزّ الشرق أوله دمشق، كما قال أحمد شوقي يوماً).




عودة إلى... مصدق

يبدو أنّ الأمور تتغير فعلاً. وكدليل على جدية ما تشهده العاصمة طهران على وجه أخص، يمزح الصديق الإيراني بالقول: «كنت أتمنى أن أعيش ما يعيشه الشباب اليوم، فقبل نحو 15 عاماً لم تكن أبداً الأجواء منفتحة».
لكن في ظل هذه الأجواء، تسأل وأنت في طهران عن مكانة محمد مصدق، رئيس الوزراء الذي أمّم شركات نفط البلاد في منتصف الخمسينيات، فتحوّل بذلك إلى شخصية شرق أوسطية رفيعة (أزاحه البريطانيون والأميركيون بتنظيم انقلاب عليه). يجيبك أحدهم (وهو من غير الرسميين): «إنك تضع يدك على الجرح، فهذا ما يسأل عنه (بصمت) كثيرون راهناً... لماذا لا يوجد شارع واحد باسمه في العاصمة؟ وفي المقابل، تجد شارعاً باسم فضل الله نوري، رجل الدين صاحب المواقف الإشكالية، وإحدى الشخصيات الرئيسة التي واجهت ثورة المشروطية الشهيرة، وأعدم عام 1909؟».