في خطوة لا تبدو بعيدة من تداعيات الأزمة الخليجية المندلعة راهناً، أقدمت الكويت أمس، على إجراء غير مسبوق في علاقاتها مع إيران؛ إذ عمدت إلى طرد السفير الإيراني ومعه 14 دبلوماسياً معتمداً لديها بدعوى ارتباطهم بـ«خلية تجسس وإرهاب». خطوة تحمل، من حيث توقيتها ونوعيتها، دعماً للموقف السعودي المناوئ لقطر على خلفية علاقاتها بإيران، وتضعّف جهود الوساطة التي يقوم بها أمير الكويت صباح الأحمد الصباح، والتي لم تفلح إلى الآن في اختراق جدار الأزمة.


ونقلت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية أنه تم إبلاغ السفير الإيراني علي رضا عنايتي بقرار السلطات خفض تمثيل طهران الدبلوماسي في البلاد. وأوضح أن القرار يتضمن خفض عدد الدبلوماسيين العاملين في السفارة الإيرانية (من 19 إلى 4)، وإغلاق المكاتب الفنية التابعة لها (مكتب الملحقية الثقافية والمكتب العسكري)، وتجميد أي نشاطات في إطار اللجان المشتركة بين البلدين.
وأشار المصدر إلى أن القرار جاء بعد صدور حكم محكمة التمييز بشأن «خلية العبدلي» في 18 حزيران الماضي، مضيفاً أن «وزارة الخارجية اتخذت الخطوات اللازمة حيال ما ورد في حيثيات الحكم من مشاركة جهات إيرانية بمساعدة ودعم أفراد الخلية المذكورة». ولفت وزير الإعلام الكويتي، محمد المبارك الصباح، إلى أن «الحكومة قررت اتخاذ إجراءات بما يتماشى مع الأعراف الدبلوماسية، وبما يتفق مع معاهدات فيينا»، متابعاً أن هذه الإجراءات «جاءت لحفظ الحقوق الكويتية».
و«خلية العبدلي» يُعنى بها مجموعة متهمين أعلنت السلطات الكويتية، في 13 آب 2015، ضبطهم مع كمية كبيرة من الأسلحة في مزرعة في منطقة العبدلي قرب الحدود العراقية. وأصدرت محكمة التمييز، في 18 حزيران الماضي، قراراً بالسجن لفترات تصل إلى 10 سنوات بحق 22 كويتياً وإيراني واحد، هم أعضاء الخلية المزعومة، بتهمة «التجسس لصالح إيران وحزب الله». وكان المتهمون قد أُخلي سبيلهم، العام الماضي، بعد قرار أصدرته محكمة الإستئناف (وهو ما يرسم علامات استفهام كبيرة حول اختيار محكمة التمييز هذا التوقيت بالذات لنقض قرار الإستئناف). ومهدت الكويت لخطوة الأمس عبر سلسلة تصريحات وتسريبات بدأتها صحيفة «السياسة»، الإثنين الفائت، عندما نقلت عن مصادر أمنية «رفيعة المستوى»، أن 14 شخصاً (من أعضاء الخلية) فرّوا إلى إيران على متن قوارب سريعة. أعقب ذلك قيام وزارة الداخلية الكويتية، الأربعاء الماضي، بنشر صور 16 محكوماً في القضية متوارين عن الأنظار، والأحكام الغيابية الصادرة بحقهم، ودعوتها المواطنين والمقيمين إلى الإبلاغ عنهم. وأثار القرار الكويتي ترحيباً من قبل السعودية التي قالت، في بيان لوزارة خارجيتها، إنها «تؤيد بشكل كامل الإجراءات التي اتخذتها دولة الكويت الشقيقة تجاه البعثة الدبلوماسية الإيرانية». أما إيران فجاء ردها عبر «وكالة الطلبة للأنباء» التي ذكرت أن طهران رفعت شكوى إلى القائم بالأعمال الكويتي لديها. وقالت الوكالة: «تحت ضغط سياسات التدخل السعودية، والاتهامات التي لا أساس لها من الصحة... أعلنت الكويت... أن علي رضا عنايتي، السفير الإيراني للكويت، ينبغي أن يرحل عن البلاد».
ويمثل القرار الكويتي الجديد ميلاً لصالح السعودية في ميزان الدولة الخليجية المتأرجح، منذ سنوات، بين إرضاء الرياض، وبين انتهاج سياسة مستقلة. كما أن القرار يقفل الباب على إمكانية قيام الكويت بدور وسطي، كانت بدأته قبل أشهر، في فتح خطوط الحوار بين طهران والرياض. وفي ما يتصل بالأزمة الخليجية، فإن الإجراء سيسم الكويت بسمة الطرف المنحاز إلى أحد قطبيها، خلافاً لدورها المعلن والمطلوب دولياً كوسيط، وهو ما سيزيد مساعي الحل تعقيداً.
(الأخبار)