يستكمل ولي العهد السعودي الجديد، محمد بن سلمان، انقلابه الذي أطاح بواسطته ابن عمه ولي العهد السابق محمد بن نايف، مجهزاً على ما تبقى للأخير، المتواري عن الأنظار منذ إزاحته من منصبه، من تركة في مفاصل الدولة، وخصوصاً في الدوائر الأمنية منها، وقوامها ضباط ومسؤولون يصعب على ابن سلمان الوثوق بهم، أو تحوم حولهم شبهة الولاء لوزير الداخلية السابق.


ويبدو أن عملية التغيير في قطاعات وزارة الداخلية بغية «تطهيرها» من رواسب ابن نايف ليست بالأمر السهل على ابن سلمان، ما اضطر الرجل، أمس، إلى اختراع مؤسسة سمّاها: رئاسة أمن الدولة، تقبض على هرم السلطة الأمنية في البلاد، وتشكل ضمانة بوجه أيّ تمرد محتمل عن طريق اختراقات في الأجهزة الأمنية. واختار الأمير الشاب لقيادة هذه المهمة مستشاره لشؤون الانقلابات، ومهندس إطاحة ابن نايف في قصر مكة: عبد العزيز الهويريني.
بحسب الأوامر الليلية الصادرة عن الملك سلمان بن عبد العزيز، فقد تم إنشاء جهاز «رئاسة أمن الدولة»، يتبع مباشرة لرئيس مجلس الوزراء (الملك نفسه). الأهم في الأوامر الملكية أنها نصّت على خضوع المؤسسات الأمنية كافة لسلطة الجهاز المستحدث، هذا من جهة السلطات الممنوحة له، ومن الجهة العملية فإن تركيبة الجهاز تتضمن مديريات شاملة لمختلف جوانب العمل الأمني: المديرية العامة للمباحث، قوات الأمن الخاصة، قوات الطوارئ الخاصة وطيران الأمن، الإدارة العامة للشؤون الفنية، مركز المعلومات الوطني، إلى جانب مكافحة الإرهاب.


يشكّل الهويريني حجر الزاوية في عملية فكّ ألغاز الانقلاب السلماني

تكشف هذه التركيبة للجهاز المحدث عن حال من الخوف والقلق يعيشها ولي العهد الجديد، المتوثب للجلوس على العرش مكان والده، واستشعار من قبله للحاجة إلى جملة إجراءات قبل الخطوة الأخيرة التي تتوّجه ملكاً، ما يعني أن ثمة هاجساً لا يزال يسكن ابن سلمان وينذره باحتمالات التمرد والاختراق، وهو الذي يرصد منذ أسابيع نظرات ملؤها الحقد وتمنّي الانتقام يلذعه بها ابن نايف وآخرون من أنجال وأحفاد عبد العزيز المقصَين جراء انقلابه الغادر.
أما الهويريني (الذي عيّنته الأوامر الجديدة رئيساً للجهاز الجديد برتبة وزير، مع الإبقاء على منصبه مديراً عاماً للمباحث العامة، وتعيينه بصفة منصبه الجديد عضواً في مجلس الشؤون السياسية والأمنية)، فيشكّل حجر الزاوية في عملية فك ألغاز انقلاب الجناح السلماني، ويؤكد تعيينه الروايات المسرّبة عن أن اجتماع رمضان في قصر مكة كان عملية انقلاب «غير سلسة»، جرت فيها إطاحة ابن نايف عن طريق القوة، وأسهم فيها تواطؤ أقرب المقرّبين من الرجل، وهو مستشاره عبد العزيز الهويريني. هذا ما يمكن استنتاجه من قفزة الرجل السريعة نحو رأس هرم السلطة الأمنية في المشيخة النفطية، وهو من خارج العائلة الحاكمة، إلا إذا كانت ثمة ضغوط أميركية تقضي باعتماد الهويريني نظراً إلى ما يحظى به من مكانة وثقة خاصتين لدى واشنطن، وهو الأمر المستبعد في حال كان الهويريني لا يزال يحمل ولاءً لابن نايف الذي عمل بالقرب منه طويلاً، خصوصاً أن الهويريني ظهر خلف ابن سلمان قبل يومين أثناء استقبال وزير الداخلية العراقي.
الآن، ومع هذه الأوامر، بات الحديث عن اقتراب السيف من رقاب وزير الحرس الوطني متعب بن عبدالله، وآخرين ممن يشكلون منافسة تتهدّد سلطان ابن سلمان، حديثاً جدياً أكثر من أيّ وقت مضى. وهي خطوات ضرورية سيحتاج إليها ابن سلمان القلق من مرحلة تسلم العرش، والتي تقترب شيئاً فشيئاً. يضاف إلى ذلك أن التعيين الجديد قد أقصى، بصورة عملية، وزير الداخلية الحالي عبد العزيز بن سعود بن نايف، وهو ابن شقيق محمد بن نايف، والذي قيل إنه بمثابة جائزة ترضية لابن نايف، وإن تعيينه يدحض الحديث عن غياب التفاهم بين «المحمدين»، ما يعني أن الجناح السلماني كان طوال الوقت يوهم أنجال عبد العزيز الآخرين وأحفاده بترك الباب مفتوحاً أمامهم، لا سيما بخطوة تعديل نظام الحكم الأساسي بمادة تمنع ابن سلمان من توريث الحكم لأحد من فرعه، والتي باتت مرشحة للتعديل من جديد على ضوء مسار السياسة السلمانية، وقت تستدعي الحاجة.
أوامر الليلة الماضية تضمنت كذلك تعيينات بالجملة لفريق العمل الخاص بمحمد بن سلمان في ديوان ولي العهد، من دون أن تغفل الطرائف المعتادة التي ترفق مع كل حزمة أوامر ملكية حساسة، وآخرها إنشاء ناديين للإبل والصقور في المملكة.