(1)



رام الله | الأول من تموز 2007 كنت أجلس على حافة السرير "أبحلق" بالأرض عندما أيقظني صوت صندوق كرتوني ألقته أمي أمامي لأضع فيه ما تبقى من ذكريات في غزة لنرحل إلى رام الله.
بيتنا في غزة يطل على الميناء، أرى الصيادين يعودون كل صباح من البحر ومعهم أسماكهم التي اصطادوها من مسافة لا تتجاوز ستة أميال فرضها الاحتلال علينا. لم أحب رائحة السمك المنبعثة من المينا قط. في اليوم الأخير أغلقت النوافذ. فلم يعد البحر لي بعد الآن ولا حتى رائحة السمك النتنة، وبدأت بتعبئة حقائبي. ودّعت صوت مولد الكهرباء ورائحة السمك ورطوبة غزة وقصص جدي وجدتي وأحكمت إغلاقها.

(2)


أمام معبر بيت حانون "إيرز" دفعتنا ريح ساخنة جافة الى داخل المكان، تولت تفتيشنا بكل "تفانٍ" جندية إسرائيلية ترتدي قفازات بلاستيكية أخذت تفتح كل حقيبة وصندوق، على الرغم من مرور هذه الأغراض بأجهزة التفتيش، كانت تسأل عن كل صغيرة وكبيرة، حتى كدت أجزم بأنها تسأل بدافع الفضول لا لدواع أمنية.
عندما وصلت إلى رام الله "لم أجد روحها".

كان كل شيء غريباً، فهنا تختفي طوابير الغاز... لا كهرباء ولا مياه مقطوعة، ولم أعد مضطرة الى تنظيم حياتي بناء على جدول الكهرباء. في رام الله، المعابر مفتوحة. كل ما عليك هو تحديد وجهتك و"خشخشة جيوبك"، لا توقظك في هذه المدينة أصوات أطفال يلعبون بالشوارع بعدما ملّوا البقاء في منازلهم. هنا حيث لا طقوس عائلية معتمة ولا تهاليل بعودة الكهرباء ولا روائح زيت طهو منبعث من عوادم السيارات. لا شيء مما ذكر.

(3)


مر عامان على مكوثي في الضفة، ذهبت لزيارة غزة. أوقفتني الشرطة التنفيذية. بعد خروجي من معبر بيت حانون باتجاه غزة، أحضروا شرطية لتتولى تفتيشي أنا وحقيبتي، ثم أدخلت الى أحد المكاتب وبدأ باستجوابي موظف عن سبب زيارتي وسبب رحيلي عن غزة بالأساس، وعنوان سكني. ثم سألني بتهكّم وكأنه يعلم الإجابة "من الأجمل غزة أم الضفة؟" فأردت أن أريح ضميره: "غزة بالطبع، فرام الله لا يوجد فيها أكشن"... كل من صادفته في غزة سأل عن "كوكب" رام الله كيف هو؟ هل يحبوننا؟ هل يعامَل الغزيون بلطف؟ نسمع عن اقتحامات كثيرة هناك، أليس كذلك؟
من المؤكد أن الاحتلال عندما قرر فصل الضفة عن غزة كان ينتظر هذه الأسئلة، فإسرائيل تجيد فنون الفصل... فصل جغرافي ووجداني الخ، فقد يحدث أن يصبح سفر المقدسي أو الضفاوي الى المريخ أمراً سهلاً، أما غزة فلا. حتى علبة الكوكا كولا لم تسلم واتخذت من الأنفاق طريقاً لها للوصول الى غزة. أذكر عندما ذهبت لأشتري علبة "كوكا كولا" في غزة مددت يدي الى الثلاجة. أخرجت العلبة وإذا بها مغطاة بالتراب وجميع العلب كذلك. نظر البائع إليّ متندراً، وقال "لا تقلقي. هذه من بركة الأنفاق ". أتساءل في أي مدينة يمكن للفرد أن يعيش مثل هذه التجربة "كوكا كولا الأنفاق" تلتقطها وتبدأ بتخيل رحلة وصولها عبر الأنفاق.


(4)


سألني أحد الأصدقاء «الضفاويين» ذات مرة: كيف تحملت الحياة هناك في غزة؟ أنا لا أستطيع تخيل حياتي "بلا كهربا ولا مي ولا معابر"، ولكن أتعلمين شيئاً "كلنا بالهوا سوا". لم يملّ الاحتلال من حملات الاعتقالات والمداهمات وزرع المستوطنات حتى أصبحت الضفة تشبه "الجبنة السويسرية المليئة بالثقوب"، إضافة إلى معاناة أهلها من البطالة والقروض وغلاء المعيشة.
… لكن الضفة ليست تعيسة كغزة التي خاضت ثلاث حروب. ففي الضفة لم يمت مريض على جسر الأردن، ولم تنتعش تجارة الترامادول ولم يتخذ أهاليها من الكرفانات والمدارس بيوتاً لهم. لا أحد يتمنى أن تصبح الضفة تعيسة كشقيقتها، ولكن لا مجال للمقارنة.
ربما لا يشعر ساكنو الضفة بـ"حجم الرفاهية" التي يعيشونها مقارنة بغزة، وربما بعد مرور سبع سنوات على رحيلي من غزة ومنعي من زيارتها في السنوات الأربع الأخيرة لم أعد أعرف الكثير عنها كما كنت في السابق، ولكن ما أعلمه هو أنني لا أزال أتلفظ اسمها في كل محادثة مع صديق، غزة المدينة التعيسة التي تعرف كيف تحتكر حبك لها وكيف تستميل قلبك بشعر فتاة يرقص للبحر، ونظرة طفل مزقت الحرب بنطاله وتركته أمام مدرسة للاجئين.