عمان ــ الأخبار

لم يكن مساء أول من أمس (الأحد) ليمرّ على نحو اعتيادي في محيط السفارة الإسرائيلية لدى العاصمة الأردنية عمان، فقد عكّر إطلاق الرصاص صفو الهدوء الحذر الذي كان يشهده محيط السفارة. وما إن أزيلت غمام الأخبار المتضاربة، حتى تبين سقوط شهيدين أردنيين، وإصابة إسرائيلي.

وفي ظل الإحراج الواقع فيه النظام، وخاصة بعد حادثة إدانة جندي في الجيش لإطلاقه النار على جنود أميركيين رغم عمله بـ«قواعد الاشتباك»، والآن الوضع المشتعل في المسجد الأقصى الذي من المفترض أن «المملكة وصية عليه»، هو أن الحادثة وقعت على الأرض الأردنية بعيداً عن مناطق نفوذ الأعراف الدبلوماسية التي تعتبر حرم السفارة أرضاً تابعة للدولة التي تمثلها، ما يعني بعبارة أخرى: إن الجريمة وقعت على أرض أردنية، ويجب أن تخضع للقانون الأردني.
جراء ذلك، ابتعث رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، مسؤولاً أمنياً رفيعاً، تبين أنه رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك)، نداف أرغمان، وهو الجهاز المسؤول عن متابعة أمن السفارات الإسرائيلية. أرغمان اجتمع مع مدير المخابرات الأردنية، وخرج الاثنان بعد جملة اتصالات دارت على مدى 24 ساعة بين المستويات السياسية والأمنية الأردنية والإسرائيلية إلى «حلّ وسط».
هذا الحل كان عودة طاقم السفارة كاملاً براً عبر جسر الملك حسين الواصل بين الضفة المحتلة والمملكة، وليس عودة القاتل وحده، لتظهر عمّان بمظهر الذي أخذ موقفاً حازماً، فيما تضمن إسرائيل سلامة طاقمها ومعهم القاتل، وبذلك تمتص النقمة الشعبية المتوقعة والمتنامية، ثم في وقت لاحق يعاد طاقم السفارة شيئاً فشيئاً.


نسّق لهذا الحلّ رؤساء الأجهزة الأمنية الاستخبارية من الجانبين


وما ينكر وجود أزمة دبلوماسية هو أن السفير الأردني، وليد عبيدات، الذي أجرى لقاءات مكوكية في إسرائيل طوال أمس، لا يزال مقيماً فيها. كما أن مكتب نتنياهو قال إن تلك العودة تمت بناء على «تنسيق وثيق وشامل» مع الجانب الأردني، كما أنه هنأ بذاته طاقم السفارة العائد.
وفي أعقاب الجلسة، تلقى نتنياهو اتصالاً هاتفيا من الملك الأردني عبد الله الثاني، وتلقى منه طلباً أردنياً صريحاً بإزالة البوابات الإلكترونية الكاشفة للمعادن من على مداخل المسجد الأقصى.
وكان ذوو الشاب محمد الجواودة، وهو أحد الشهيدين، قد قرروا، في ظل التعنت الإسرائيلي، تسلّم جثته لدفنها اليوم (الثلاثاء)، والعمل بإجراءات التشییع، وذلك عقب اجتماع عقدته عشائر الدوايمة في ديوان القبيلة لبحث قرار تسلّم الجثة. ومن بداية الحادثة، رفضت الحكومة الأردنية فكرة تسليم الحارس الذي أطلق النار لعمان، علماً بأنه بقي داخل السفارة منذ وقوع الحادثة أول من أمس، كما رفضت طلب الأردن التحقيق مع الحارس تحت ذريعة أنه دافع عن نفسه أمام عملية طعن، وأن معاهدة فيينا تمنح حراس السفارات حصانة من الاستجواب.
وكان الجواودة قد فارق الحیاة فور تلقیه رصاصتین في كتفه من سلاح مساعد مدير الأمن في مجمع السفارة الإسرائيلية عقب خلاف وقع بینهما أثناء إقدام الشاب على تبديل أثاث في المجمع، وفق الرواية الشائعة حتى الآن. وقالت مصادر إعلامية إسرائيلية، إن ملخص الحادث أن أحد حراس السفارة أطلق النار باتجاه أردنيين اثنين فقتلا من الفور بعد محاولة أحدهما طعنه، فيما أصيب الحارس بجراح طفيفة. والتقارير نفسها تقول إن الحارس استهدف الجواودة، لكن القتيل الثاني (طبيب أردني) قتل «عن طريق الخطأ».
وبعد عودة طاقم السفارة، أصدر الأمن العام الأردني بياناً قال فيه إن التحقيقات النهائية خلصت إلى أن الشهيد اعتدى على حارس السفارة بسبب خلاف شخصي، فتأذى الحارس وبادر إلى إطلاق النار!
ووفق موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، فإن نتنياهو كان قد أجرى اتصالاً مع السفيرة الإسرائيلية لدى عمان، وكذلك حادَث الحارس هاتفياً، واعداً إياه بـ«إعادته إلى البلاد»، مؤكداً في الوقت نفسه أن سفيرته تدير الأزمة بـ«كفاءة».
يعقّب الأمين العام لـ«الحزب الوطني الدستوري» أحمد الشناق، بالقول إن «من السهل على الاحتلال أن يحيل الحادثة إلى محاولة اغتيال، وهو يدرك سهولة ربط حبال الحدث الأمني بعضه ببعض ليصل إلى المسجد الأقصى وإرهاب الاحتلال، وخاصة أن الحادثة وقعت وسط أجواء توتر افتعلها احتلال يريد الاستيلاء على قبلة المسلمين الأولى».
ويرى الشناق أن من واجب الحكومة أن تكون «حزاماً واقياً للرأي العام الأردني حول أي حدث بذكر التفاصيل والحقائق كما هي»، مشيراً إلى أن المتوافر الآن من تصريحات متناقضة يصنع مزيداً من الروايات. وتابع: «على وزير الإعلام الخروج من دون الاختباء وراء جهاز الأمن ليروي الرواية كلها بتماسك وبقصة قابلة للتصديق، فليس مقبولاً أن يبقى المواطن الأردني ضحية دائماً أكان قاتلاً أم مقتولاً».
يشار إلى أن «لجنة أهالي الأسرى والمفقودين الأردنيين»، حاولت الاستفادة من الموقف، وطالبت أمس الحكومة الأردنية بمنع تسليم حارس السفارة الإسرائيلية إلا في «إطار صفقة تبادل تشمل الإفراج عن الأسرى الأردنيين»، مشيرة إلى أن الأسرى الأردنيين يبلغ عددهم 23، والمفقودون 30.