تراجعت إسرائيل عن فرض إرادتها على الفلسطينيين في محيط المسجد الأقصى، في مدينة القدس المحتلة، إذ جاء قرار إزالة البوابات الإلكترونية نتيجة فشل الرهان على تطويع الجمهور الفلسطيني، ودفعه إلى التكيف مع الإجراءات الجديدة بعد «عملية الأقصى»، التي أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين منتصف الشهر الجاري.


ولمست القيادة الإسرائيلية إصراراً فلسطينياً، لم يكن بالإمكان مواجهته أو احتواؤه، بل أكد لها أنه متواصل بما ينبئ بإمكان اندلاع انتفاضة جديدة قد لا تقوى تل أبيب على تحمل تبعاتها.
وكانت واضحة إرادة التسويف لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وانتظاره مرور يوم الجمعة الماضي وصَلاتها، مراهناً على إمكان تقلص الحراك الشعبي في أعقاب ذلك، ثم إعادة الأمل بإمكان استئناف التمسك بالموقف، والإبقاء على البوابات الإلكترونية، التي باتت عنوان انكسار إسرائيل أو انتصارها على الفلسطينيين.
مأزق نتنياهو، وإمكان التصعيد، كما حذرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ومن بينها «الشاباك» و«الاستخبارات العسكرية» في الجيش، دفع نتنياهو إلى البحث عن مخارج بلا طائل. لكن حادثة السفارة الإسرائيلية لدى عمان، وإرادة الخروج الثنائي الإسرائيلي ــ الأردني من المأزق بعد تململ الشارع الأردني وردّ فعله الشاجب على إطلاق حارس إسرائيلي النار على أردنيين وقتلهما، أوجد لنتنياهو مخرجاً لمأزق الأقصى، عنوانه تلبية طلب المملكة الأردنية، عبر التوصل إلى تسوية مزدوجة (أقرّ بها ابتداءً ثم نفتها مصادر مقربة منه) لملف السفارة وقتل الأردنيين، وكذلك ملف الأقصى، وهي إطلاق سراح القاتل مقابل فكّ البوابات الإلكترونية.
رواية نتنياهو لم تلق رواجاً في إسرائيل، وتعرّض في أعقابها لانتقادات حادة، ليس على أصل المقاربة الإسرائيلية وتركيب البوابات، التي وصفتها بالساذجة، بل أيضاً لرواية التسوية مع الأردنيين. صحيفة «يديعوت أحرونوت»، التي هاجمت نتنياهو ووزراءه، أشارت إلى أن أزمة السفارة في عمان وفّرت لنتنياهو مخرجاً عن الشجرة التي تسلقها، وكذلك من مأزق «غباء تنصيب البوابات الإلكترونية»، مشيرة إلى أنه (نتنياهو) «زرع ريحاً وحصد عاصفة».


عباس: إزالة كل الإجراءات الإسرائيلية شرط لعودة الوضع كما كان عليه

وشددت «يديعوت» على النتيجة السيئة في أعقاب تركيب البوابات، وفي أعقاب الرضوخ للضغط الفلسطيني، مشيرة إلى أن «البوابات غير الضرورية من ناحية أمنية، زرعت فقط على خلفية سياسية، إذ شعر نتنياهو بأنه ملزم بأن يظهر لليمين ولناخبيه أنه يعزز السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل (الحرم)، في أعقاب عملية الأقصى، لكن النتيجة جاءت نقيضة، فإزالة البوابات أظهرت للعالم أن إسرائيل ليست سيدة البيت، والإجراء من أساسه ونتائجه أضعف السيطرة الإسرائيلية على الحرم». وختمت الصحيفة بالقول: «يحكى عن الكاميرات الذكية التي تميّز بين الأبرياء والإرهابيين، وإذا كانت فعلاً ذكية، فبدلاً من تركيبها على مداخل الحرم، يجب تركيبها على طاولة المجلس الوزاري المصغر، لأنّ الذكاء حاجة مفقودة هناك».
موقع «واللا» الإخباري العبري، أيضاً، هاجم نتنياهو بعبارات حادة جداً، مشيراً إلى أن «النتيجة النهائية للأزمة تظهر أن إسرائيل تراجعت أمام أعمال العنف، ومن دون تزيين ما حدث بكلمات جميلة، تراجعت إسرائيل وذيلها بين أرجلها»، في إشارة إلى الخزي والعار، «وأزالت البوابات وكذلك ربما الكاميرات، من على مداخل الحرم».
وحول الشراكة الإسرائيلية مع السعودية ودول عربية أخرى، في إيجاد حل لمأزق تل أبيب وإجراءاتها في القدس، ذكرت صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها «الدرس الإسرائيلي» من أحداث الحرم، مشيرة إلى أن إسرائيل بحاجة إلى حلفاء عرب ومسلمين خائفين مثلها من التدهور في الأقصى، الذي يمكن أن يشعل شوارع المدن في دول عربية، مشيرة إلى أن «تدخل الأردن ومصر والسعودية، الدول التي بذلت جهوداً دبلوماسية بصورة مباشرة وغير مباشرة من أجل الدفع نحو حل، كان تدخلاً ناجعاً. فقادة هذه الدول منعوا أيضاً الجامعة العربية من عقد جلسة طارئة أو دعوة مجلس الأمن إلى الانعقاد، وبذلك منعوا توسيع الإطار الدولي الذي كان سيتدخل في ما يجري».
وبرغم الاتفاق الأردني ـــ الإسرائيلي، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في اجتماع للقيادات الأمنية والسياسية في السلطة، رفضه تركيب شرطة العدو الكاميرات على أبواب المسجد، قائلاً إنه «ما لم تعد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 تموز في القدس لن تكون هناك أي تغييرات». وأعلنت دائرة الأوقاف الإسلامية رفض الدخول إلى الأقصى «إلا بعد تقويم لجنة فنية من إدارة الأوقاف وإرجاع الوضع كما كان عليه».
في سياق متصل، أعلنت حكومة «الوفاق الوطني» صرف ألف دولار شهرياً، لمدة ثلاثة أشهر لتجار البلدة القديمة. وصدّقت كذلك على دعم مستشفيي «المقاصد» و«المطلع»، بمبالغ تقررها الظروف الطارئة في المدينة.
إلى ذلك، أصدرت «المحكمة العليا» الإسرائيلية، مساء أمس، قراراً ألزمت فيه شرطة العدو بتسليم جثامين شهداء عائلة جبارين، منفذي «عملية الأقصى»، لعائلاتهم في مدينة أم الفحم في غضون 30 ساعة على أكثر تقدير. لكن الشرطة وضعت شروطاً لتسليم الجثامين هي: كفالة مالية عالية، وحظر لمشاركة نواب الكنيست العرب أو الشخصيات العامة في الجنازة، فضلاً عن أي تغطية إعلامية، على أن يكون التسليم بعد منتصف الليل مع ثلاثين مشيعاً فقط.
(الأخبار)