ثمة من يعتقد أنّ ليبيا تقترب من اتفاق سياسي طال انتظاره منذ 2011، يضع أسُساً لتقاسم جديد للسلطة وللنفوذ. ويستند هؤلاء في تصوّرهم إلى الحراك الدبلوماسي القائم حالياً، الذي كان آخره اجتماع رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج، وقائد «الجيش الوطني الليبي» المشير خليفة حفتر، في العاصمة الفرنسية باريس، يوم أمس.


ويشير هؤلاء أيضاً إلى أهمية «خريطة الطريق» التي أعلنها السراج نفسه في منتصف الشهر الجاري، والتي تتضمن في أبرز بنودها: «الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مشتركة في شهر آذار/مارس 2018؛ استمرار العمل بالاتفاق السياسي وحكومة الوفاق إلى حين تسمية رئيس حكومة من قبل الرئيس المنتخب؛ وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد إلا ما يخص مكافحة الإرهاب».
ومع بروز الحديث في الأيام الماضية عن المبادرة الفرنسية، لم يستبعد المتابعون لتفاصيل الشأن الليبي التوصل إلى اتفاق بين رمزَي انقسام السلطات الليبية بين شرق وغرب (حفتر، والسراج الذي يكسب دوره أهمية نظراً إلى الاعتراف الدولي به). وقد بنى هؤلاء تفاؤلهم بالأساس على أنّ باريس في عهد إيمانويل ماكرون، تبدو كأنّها تجاوزت عقدة تمثيل خليفة حفتر، وتوجهت إلى خيار إشراكه المباشر في حلّ الأزمة الليبية (بدلاً من التعاون معه سراً): «هي أعطت شرعية له (ولدوره) من خلال دعوته للقاء السراج في باريس، في مقابل الحصول منه على تنازلات»، يقول الباحث الجزائري حسني عبيدي.


كرّس هذا اللقاء
الاعتراف الدولي
بدور خليفة حفتر
في ليبيا

واستناداً إلى هذه الخلفية، انطلقت اجتماعات باريس عصر أمس، بمشاركة السراج وحفتر، وبرعاية الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى جانب حضور وزير خارجيته جان إيف لو دريان، وموفد الأمم المتحدة الجديد إلى ليبيا غسان سلامة، الذي يباشر مهماته هذا الأسبوع.
هذا اللقاء الثاني الذي جمع بين الرجلين في غضون أقل من ثلاثة أشهر بعد لقائهما في أبو ظبي، والثالث في محصلة اللقاءات، انتهى إلى إعلان بيان مشترك بينهما، للمرة الأولى. وكشف ماكرون أنه جرى التوافق على إجراء انتخابات «في ربيع» 2018، وأنّ البيان يدعو إلى وقف إطلاق النار، من ضمن ثماني نقاط أخرى يشملها (يتألف من عشر نقاط). ويؤكد البيان مجدداً أنّ الحل السياسي هو وحده الكفيل بإخراج ليبيا من أزمتها ويعيد التشديد على اتفاق الصخيرات الموقع في المغرب في كانون الأول 2015 برعاية الأمم المتحدة.
وكان حفتر الرافض الرئيسي خلال العامين الماضيين لاتفاق الصخيرات، ذلك أنّ آلياته ومضامينه لم تكن تُقِرّ بدور كبير له. لكن منذ نحو عام، أدرك مجمل المتابعين للشأن الليبي إخفاق «الصخيرات»، إذ إنه «أفضى إلى إعادة تشكيل الصراع الداخلي أكثر مما أسهم في تسويته... (في وقت سعى فيه) اللاعبون العسكريون إلى بسط نفوذهم من خلال فرض أمر واقع يهدف إلى تحسين مواقعهم التفاوضية وفرض أنفسهم كل في معسكره»، يقول تقرير صدر (قبل أشهر عدة) عن «مجموعة الأزمات الدولية».
بسط النفوذ وفرض أمر واقع، هما أكثر ما نجح خليفة حفتر، في فعلهما منذ نهاية 2015 ــ تاريخ التوقيع على «الصخيرات». وهذا ما جعله يحضر في باريس أمس، مزخماً بسلسلة من «الانتصارات العسكرية» في شرق البلاد (وفي جنوبها نسبياً)، وبموقع سياسي عربي بات يؤمّن له صفة الحليف الجدي لداعميه (الإمارات ومصر)، أي إنّ أدواته التفاوضية كانت قوية.
من جهة أخرى، إنّ مستوى التفاؤل بقرب إنهاء الأزمة الليبية استناداً إلى هذا الاتفاق، دونه الكثير من العقبات قبل أن يؤتي ثماره: نحن فقط أمام «المرة الأولى التي نجد فيها نافذة إيجابية لحصول اختراق في الأزمة»، يوضح حسني العبيدي. وفي حديث صحافي، يلخص الباحث الإيطالي المتخصص بالشأن الليبي ماتيا توالدو، المشهد بالقول: إنّ النجاح «لا يزال غير مضمون»، إذ إنّ السراج المدعوم من قبل المجتمع الدولي لم ينجح في بسط سلطته بعد نحو عام على استقراره في طرابلس، وبالتالي هو لا يضمن مواقف كل القوى المنتشرة غرباً والداعمة له، إضافة إلى واقع العجز عن التنبؤ بمدى طموحات حفتر السياسية (الأمر الذي تخشى منه أيضاً مصادر دبلوماسية فرنسية، في حديثها إلى صحف فرنسية).
هذا المشهد المعقّد والمتداخل في كثير من سوياته، لا ينفي أنه «لا أمل لليبيا إلا باتفاق يؤدي إلى تقاسم للسلطة»، كما يرى دبلوماسي عربي على اطلاع وثيق على الملف الليبي، يشبه بصورة أو بأخرى «اتفاق الطائف» الذي يُعدُّ (رمزياً) تاريخاً للحديث عن انتهاء الحرب اللبنانية. وهناك من يضيف أنّ التوصل إلى اتفاق كهذا يعني «التوصل بالتزامن إلى تقاسم للثروات الوطنية، بخاصة النفطية، وهذا ما سيشكّل عماد توحيد الأطراف الليبية، ضمن سلطة واحدة».
وعند هذا المستوى تأتي أهمية الدور الفرنسي الذي «لا يُمثّل وساطة بقدر ما هو يسعى إلى تسهيل الأمور»، وفق الباحث الجزائري حسني العبيدي، الذي يوضح أنّ باريس «تُرسي دينامية للتفاوض بين الطرفين، تنطلق من تداعيات الأزمة لتتجاوزها فتتصل بالوضع في منطقة الساحل» بصورة عامة.
وبرغم كل الإشكالات التي طرحها التحرك الفرنسي الذي يبدو منفرداً (ما أثار حفيظة إيطاليا، المستعمرة السابقة لليبيا)، فإنّه ينطلق مما تصفه صحيفة «فيغارو» الفرنسية بـ«تأييد ماكرون للتوجهات البراغماتية لوزير خارجيته، وهو وزير الدفاع السابق، التي تأخذ بالاعتبار واقع الميدان (كما قال لو دريان نفسه)، وترى في حفتر متراساً رئيسياً لمواجهة الجهاديين». كذلك فإنّه ينطلق من الفراغ الذي يسببه غياب التوجهات الأميركية في عهد دونالد ترامب، بشأن ليبيا بصورة خاصة، فيما يرى البعض أنّ «صدامات الأطراف الخليجية المؤثرة في ليبيا، منحت الدبلوماسية الفرنسية هامشاً للتحرك».
ماكرون الذي أشاد في ختام لقاءاته الليبية أمس، بـ«الشجاعة التاريخية» لكل من حفتر والسراج، أدرج ما تقوم به باريس في إطار «المسار الأساسي لأوروبا بأسرها، لأننا إذا لم ننجح، فإنّ العواقب على بلداننا ستكون مباشرة من خلال المخاطر الإرهابية والعواقب على مستوى الهجرة». لكن في ظل الامتعاض الإيطالي الواضح إزاء التحرّك الفرنسي، بدا لافتاً ما كتبه الصحافي فيتسنزو نيغرو في «لا ريبوبليكا»: «سيكون صعباً على إيطاليا أن تشرح لشركائها الفرنسيين أن حلاً بسيطاً يضع حفتر في محور كل شيء (كما تريد مصر والإمارات، وحتى روسيا)، ليس أمراً مرادفاً للنجاح»... (والعبرة، ربما، في التطورات الآتية).