غزة | لا مكان لـ«الصبر والصمود» عند الخمسيني أبو محمد عودة، ولا مساحة في تفكيره سوى لـ«كوبونة» الغذاء التي حُرم إياها، بعدما قررت «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ــ الأونروا» تقليصها.


أبو محمد عاطل من العمل وهو يعيل سبعة أبناء، وقد كلّت قدماه جيئةً وذهاباً إلى مقر «مؤن الأونروا» في مخيم جباليا للاجئين، شمال قطاع غزة، لاستعادة كمية من المساعدات الغذائية لم تكد تكفيه وأسرته.
ما أصاب أبو محمد أصاب غيره الكثيرين في غزة، التي تحوي لاجئين يزيد عددهم على مليون وثلاثمئة ألف (80% من سكان القطاع)، وهؤلاء يشكلون حصة كبيرة من خمسة ملايين لاجئ هم مجمل اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عمل «الأونروا» الخمس (الأردن ولبنان وسوريا وغزة والضفة) كما تقول الأخيرة. التقليصات المستمرة، التي يمتد عمرها لأكثر من عامين، ويرى فيها الفلسطينيون سبيلاً لابتزازهم أكثر من كونها تعبر عن أزمة مالية لدى «المجتمع الدولي»، دفعت عدداً من اللاجئين إلى إغلاق المقر الرئيسي للوكالة في مدينة غزة يوم الخميس الماضي، فيما هددوا بإغلاقها كلياً في حال استمرار التقليصات.
وكان لقاءٌ قد سبق ذلك الاعتصام، جمع بين رئيس «اللجنة الشعبية للاجئين»، معين أبو عوكل، ومدير عمليات «الأونروا» في غزة، بو شاك، طالب فيه الأول بتزويد المخيمات بالكهرباء وتحسين الخدمات، لكن الأخير تذرع بالأوضاع السياسية التي لا دخل للوكالة بها، وفق ما نقل عنه مسؤول «دائرة شؤون اللاجئين» في حركة «حماس»، عصام عدوان، الذي شرح في حديث إلى «الأخبار»، أن التقليصات الجديدة تمثلت في «وقف التعيينات في قطاع التعليم والصحة، وتراجع الحصص التموينية رغم الزيادة السكانية للقطاع».
وأضاف عدوان أن عدد موظفي الوكالة بلغ ثلاثين ألفاً في الوقت الحالي بعدما كان 33 ألفاً في 2010»، وقد حدث هذا بعد محاولة الوكالة زيادة عدد الطلاب داخل الصف الواحد في مدارسها لتتغلب على نقص المباني، علماً بأن زيادة طالب واحد في كل صف تحرم 220 موظفاً من العمل في التعليم، فضلاً عن ضررها بجودة التعليم، كما يقول.
وتقول «الأونروا» إنها تتعرض لضغوط كبيرة ومتواصلة إلى جانب مشكلات مالية، في إشارة إلى المطالبة الأخيرة لرئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قبل شهر، السفيرةَ الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هيلي، بتفكيك «الأونروا» ودمج أجزائها في «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة». لكن الوكالة الدولية نفسها لم تتوان منذ توقيع اتفاق أوسلو عن رفع يدها تدريجياً عن قضية اللاجئين وتقليص حجم خدماتها، وخاصة مع وجود رضى داخل السلطة الفلسطينية على نقل مهمات «الأونروا» إلى منظمة مؤقتة تتسلمها الدول المضيفة للاجئين، وهو ما يعني تصفيتها.
بعد ذلك، تضاعفت إجراءات التقليص، في غزة على الأقل، بعد سيطرة حركة «حماس» على غزة عام 2006، وهو ما فاقم المعاناة داخل ثمانية مخيمات في القطاع، علماً بأن تقديرات الأمم المتحدة تعلن مراراً أن غزة «غير صالحة للحياة» بعد سنوات قليلة. لكن مناطق أخرى من عمل الوكالة شهدت تقليصات أخرى، ما يدل على أن الأوضاع السياسية التي يتحدث عنها مسؤولو «الأونروا» ليست متعلقة بالانقسام الفلسطيني الداخلي، بل ببرنامج ما تعمل عليه الدول المانحة لها، فيما تعلل ما يحدث بأزمة تمويل فقط.