أخفقت السعودية في الحفاظ على أهم وأقرب دائرة في علاقاتها الخارجية، أي مع دول الخليج، في ضوء الأزمة الخليجية، بعدما كان الغالب في تلك السياسة أواصر القربى والعمل المشترك بين هذه الدول. فحتى وقت قصير، أي قبل عام، كانت دول مجلس التعاون الخليجي تتجه في خطوات عملية ملموسة نحو ما سمي «الاتحاد الخليجي»، على غرار الاتحاد الأوروبي.


كان الموقف العلني الوحيد الرافض للاتحاد من بين الدول الست، موقف سلطنة عمان. والمعروف أن مسقط على خلاف «فكري تاريخي حدودي سياسي» مع بعض دول الخليج (السعودية والإمارات)، وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن أول من طرح فكرة الاتحاد الخليجي هو الملك الراحل عبد الله قبل وفاته بقليل عام 2015.
لكن استمرار الأزمة الخليجية لا يصبّ في خانة الرياض، إذ إن تصاعد الأزمة يؤدي حكماً إلى تآكل دورها ونفوذها في منطقة الخليج والجزيرة العربية، كذلك فإنها لن تنتظر طويلاً حتى تكتشف التراجع الحاد في قدرتها على قيادة المنظومة الخليجية، بعد خسارة حلفائها في الإقليم، ولاسيما في العراق وسوريا. كذلك إن نجاح التمرد القطري وخروج الدوحة العلني عن المظلة السعودية يمثل ضربة قاسية سيكون لها تداعيات لن تستطيع الرياض تحمّل تبعاتها.
وفي هذا السياق، ضغطت الرياض على الكويت لخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بينها وبين طهران في محاولة لاختبار استمرار تأثيرها وقياس مدى تحكمها الخليجي بعد تمرد قطر.
وبعد اجتياز قطر أزمة الحصار وتوفيرها البدائل اللازمة واكتشافها محدودية خيارات خصومها، اتجهت في الأيام القليلة الماضية إلى تصعيد لهجتها ضد دول المقاطعة، في إطار توجه جديد يعتمد على التحلل من السقف الخليجي والسعودي بالتحديد وبصورة دائمة. فلم تكتف الدوحة بالتجرؤ على رفض الامتثال إلى مطالب تلك الدول فحسب، بل أمعنت بالتحدي والخروج عن سياسة لعب الضحية إلى الانتقال للعمل على عكس ما طالبت به الدول الأربع، والبارز فيه انتقال الإعلام القطري خاصة قناة «الجزيرة» التي كانت تحاذر في سياستها التحريرية في مقاربة الشأن الداخلي أو السياسة الخارجية السعودية، لكنها انتقلت اليوم إلى نشر كل الملفات السعودية المشتعلة من دون أي ضوابط أو قيود. كذلك لحق بها الإعلام الإلكتروني والمكتوب الممول قطرياً.
في جانب آخر، أدى ضيق الرؤية الاستراتيجية والخطأ في التقدير عند الدول الأربع إلى دفع الدوحة إلى الاقتراب خطوات سريعة باتجاه طهران التي فتحت مجالها الجوي أمام رحلات شركة الطيران القطرية، خاصة أن الخط الجوي الإيراني هو الوحيد المفتوح أمامها الآن. وتعمل طهران كذلك على تلبية احتياجات قطر الغذائية، علماً بأن الخطوة الإيجابية الإيرانية جاءت رغم الاختلاف بين طهران والدوحة في عدد من ملفات المنطقة. ويظهر أن الخطوات بين البلدين مدروسة وتتجه العلاقات بينهما إلى مزيد من بناء الثقة والعمل على فتح مجالات أوسع من التعاون. ويأتي ذلك مع أن أهم مطالب الدول الأربع خفض العلاقات الدبلوماسية بين طهران والدوحة.

العلاقات بين دول الخليج وإيران

العلاقات القطرية ــ الإيرانية ليست حديثة أو الوحيدة في الخليج، بل إن العلاقات الخليجية مع الجمهورية الإسلامية رغم التشويش السعودي قوية ومستمرة، ويمكن رسم خريطة سياسية بين دول الخليج وإيران على هذا النحو:
ــ تفاوتت تلك العلاقات لتشمل الجوانب كافة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية، كما الحال مع الكويت، والدفاع المشترك مع دولة قطر، وحتى الاستراتيجية كما كان قديماً مع سلطنة عمان، ويتجدد ذلك في كل المحطات، أو بعلاقات مقتصرة على المصالح المشتركة كما يحدث مع الإمارات العربية، إذ يستفيد البلدان من علاقات اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات سنوياً.
ــ لا يوجد أي خلاف حدودي إيراني مع دول الخليج، رغم الحدود المشتركة مع جميع دوله، باستثناء الخلاف الوحيد مع الإمارات حول الجزر الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) في مياه الخليج. وتشترط الجمهورية الإسلامية لإجراء حوار مع أبو ظبي حول الجزر الثلاث الانسحاب الأميركي من مياه الخليج والدول المشاطئة له في الجزيرة العربية.
ــ تتقاسم قطر وإيران أكبر حقل غاز في العالم (حقل غاز الشمال أو حقل فارس الجنوبي)، ويأتي تقاسم الحقل ضمن اتفاقات بين البلدين من دون أي تدخل خارجي.
ــ تعتمد كل من الإمارات والكويت وقطر وعمان على المحافظات الإيرانية الجنوبية في استيراد الفواكه والخضار الطازجة يومياً، التي يحتاج نقلها إلى تلك الدول إلى أقل من أربع ساعات في البحر.
ــ تتصاعد الخصومة بين طهران والرياض والمنامة، والأخيرة ملتحقة كلياً بالسعودية بسبب خسارة الأخيرة نفوذها في كل من سوريا والعراق، وكذلك فشلها في تحقيق أهدافها في حربها ضد اليمن واتهامها إيران بمساعدة حركة «أنصار الله» في تلك الحرب. وتخشى الدوائر الغربية من أن تنتقل الحرب بالوكالة بين البلدين من الساحات إلى الحرب المباشرة، لكن طوق الأزمات الذي يلفّ عنق السعودية في مجالها الحيوي، بالإضافة إلى ضعف قوتيها البرية والبحرية وعجز قوتها الجوية عن تغطية الأجواء الإيرانية، تشكل كلها خطوطاً حمراً أمام التفكير في أي حماقة في هذا الاتجاه.
في غضون ذلك، كشفت الأزمة الخليجية (بين السعودية والإمارات والبحرين مقابل دولة قطر) زيف متانة تلك العلاقات التي تستبطن داخلها أزمات بينية وحدودية وقبلية تشمل جميع دول الخليج دون استثناء، ولا سيما في المناطق النفطية، وكذلك عمل مجلس التعاون الخليجي على حل عدد من القضايا الخلافية، لكن جميع الحلول فرضتها السعودية على الدول الأخرى بسبب ممارستها ضغوطاً وتهديدات على تلك الدول. ورغم ذلك، احتفظت الدول الصغيرة بالكثير من الأوراق للاستفادة منها وقت الحاجة. ولا تقتصر الأزمات السعودية مع بقية دول الخليج على دولة واحدة، بل تشمل جميع الدول، حتى إن كانت صغيرة كالبحرين التي خضعت أخيراً للضغوط السعودية وأنهت الخلافات معها.

الخلافات السعودية ــ الخليجية

أما الخلافات السعودية ــ الخليجية، فهي على النحو الآتي:
1. الرياض وأبو ظبي
تتنافس كل من أبو ظبي والرياض على الاستفراد بالوكالة الحصرية الأميركية كلاعب رئيسي في المنطقة كل على حساب الآخر. والدلائل تشير إلى أن واشنطن تبدي ميلاً إلى أبو ظبي في مقاربة الوضع في اليمن، وقد أعلنت الإمارات في أكثر من مناسبة عزمها على إنهاء مشاركتها العسكرية في الحرب، لكن ضغوطاً سعودية أدت إلى تراجعها.
وتختلف الأهداف السعودية عن الإماراتية في العدوان على اليمن، إذ تصرّ الرياض على السيطرة الكاملة على اليمن، فيما تتلخص الأهداف الإماراتية في السيطرة على الجزر والموانئ اليمنية الاستراتيجية، ولا سيما في جنوب اليمن. وتعمل كل من العاصمتين في جنوب اليمن عبر حلفاء يجمع بينهم العداء والاقتتال، ولا يوجد أي أمل للحل بين الجانبين سوى تأخير الخلافات إلى حين إيجاد حل (عسكري أو سياسي) للشمال اليمني.
من جهة أخرى، لم يُحسم الخلاف الحدودي بين الإمارات والسعودية على منابع حقل الشيبة الحدودي بين البلدين. وتتمسك الإمارات بحقها مستندة إلى خرائط ومستندات، كذلك تحفظت على الاتفاقية بين قطر والسعودية في الأمم المتحدة عام 2009، وطرحت أبو ظبي ملاحظات على هذا الاتفاق بادعاء أن حقوقها في منطقة الحدود الواقعة بين قطر والسعودية قد خُرقت.
مع هذا، تعمل كل من الرياض وأبو ظبي على تفعيل مساحة العمل المشترك بينهما وتجنب القضايا الخلافية إدراكاً لصعوبة الافتراق في الوقت الحالي. وتلعب العلاقة الشخصية بين كل من ولي عهد الإمارات، محمد بن زايد، وولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، دوراً فعالاً في إبعاد القضايا الخلافية جانباً، كقضية الحدود والصراع على اليمن.
يذكر أن ولي العهد المقال محمد بن نايف، وكذلك والده، لم يكونا على وئام مع أبناء زايد، وقد كشفت الوثائق المسربة عن سفير الإمارات لدى واشنطن الدور الذي تضطلع به بلاده مع الإدارة الأميركية لتقريب ابن سلمان خطوات باتجاه العرش، وهذا ما يفسر سكوت الرياض عن محاولات أبو ظبي المنافسة مع شقيقتها الكبرى في أكثر من ملف.
2. الرياض والكويت
الكويت هي الوسيط في الأزمة الخليجية الراهنة، لكنها تحتاج من وقت إلى آخر إلى من يتوسط بينها وبين السعودية بسبب خلافها المتكرر مع الرياض على حقل الخفجي وميناء الزور الذي تبلغ طاقته الإنتاجية اليومية 350 ألف برميل بصورة مشتركة بين البلدين. وترى الكويت أن الحقل المذكور من ضمن أراضيها، وقد قبلت على مضض اقتسام الحقل بسبب خشيتها من تحول النزاع حوله إلى عداء، وهذا ما لا تقدر عليه.
وعموماً، تضطر دول الخليج وقت الحاجة السعودية إلى تقديم واجب الطاعة والولاء والامتثال للضغوط السياسية، وبذريعة أو دونها أو باستحضار ملف سابق وتوظيفه في خدمة السياسة الخارجية، كما فعلت الكويت الأسبوع الماضي برضوخها للضغوط السعودية واتخاذ قرار بخفض عدد الدبلوماسيين الإيرانيين في البلاد وإغلاق المكاتب الفنية للسفارة الإيرانية وتجميد أنشطة اللجان المشتركة بين البلدين بذريعة عديمة الأساس في ما أطلق عليه كويتياً «خلية العبدلي» (تهمة تخابر 14 مواطناً كويتياً مع إيران وحزب الله)، مع العلم أن النيابة العامة الكويتية كانت قد وجهت اللائحة في الأول من أيلول 2015 إلى المتهمين ليصدر الحكم في 2016. ورغم ذلك، بقيت العلاقات الكويتية ــ الإيرانية دافئة في تلك القضية.
حتى إن الرئيس حسن روحاني زار الكويت في الخامس عشر من شباط الماضي تأكيداً لمتانة العلاقات بين البلدين، وعدم تأثرها رغم التشويش السعودي عليها. وقد وصف نائب وزير الخارجية الكويتي، خالد الجار الله، زيارة روحاني لبلاده، بـ«الإيجابية والناجحة». ورغم الضغوط السعودية على الكويت، فإن التصرفات الإيرانية توحي بتفهم طهران الخطوة الكويتية، وترى أنها جاءت لامتصاص الضغوط السعودية والسلفية داخل الكويت، لكن الإجراء الأخير لن يمسّ جوهر العلاقة بين البلدين.