الأهمية التي يوليها الجيش السوري لمعركة استعادة «البحوث العلمية» في حلب تعكس الخصوصية الاستراتيجية للموقع، وخطورةَ الخرق الذي حققته المجموعات المسلّحة هناك. وكان من المفترض أن تلعب «البحوث» دوراً متقدماً في الدفاع عن أحياء حلب الغربية (الخاضعة لسيطرة الدولة السورية)، لكنّ الخرق المفاجئ حوّلها إلى خاصرة هشّة تخوّل المسلّحين قلب الموازين ونقل المعارك إلى قلب تلك الأحياء. تنبع أهمية «البحوث» في الدرجة الأولى من كونه يُشكل رأس مثلثٍ دفاعي عن حي حلب الجديدة (أكبر الأحياء الغربيّة، وأوّلها من هذا المحور)، وتُكمل كلٌّ من نقطة «مدفعية الزهراء» وأكاديمة الأسد العسكرية المثلث المذكور.


استراتيجية المسلّحين

لا تقلّ المعارك المفتوحة على جبهة جمعية الزهراء أهمية عن تلك الدائرة في «البحوث»، بل يمكن اعتبارها في واقع الأمر مكملةً لها، ما يفسر حرص «غرف عمليات المسلحين» خلال الأيام الأخيرة على مزامنة الهجمات على جبهتي الزهراء والبحوث المتلاصقتين، حيث شُنّت عمليات متتالية في محيط الزهراء وعبر محوري «بيوت مهنّا» والليرمون. وكما بات معلوماً، تتولى العمليات على هذين المحورين «جبهة النصرة» وحلفاؤها «الجهاديون» عبر «غرفة أنصار الشريعة»، فيما تتولى «غرفة فتح حلب» (رأس حربتها «حركة نور الدين زنكي») عمليات «البحوث».


«حلب الجديدة» هي ضواحٍ سكنية متلاصقة ومترامية الأطراف
الاختلاف الأبرز بين الزهراء وحلب الجديدة (المتجاورين) ينبع من أن حي الزهراء بات أشبه بثكنة عسكرية كبيرة ومليئة بالتمركزات الفاعلة عسكريّاً، ولم يعد الدفاع عن الحي منوطاً بمبنى المخابرات الجوية وحده. أما حي «حلب الجديدة» فهو عبارة عن ضواحٍ سكنية متلاصقة ومترامية الأطراف، ويقتصر الوجود العسكري فيها على حواجز ونقاط تفتيش روتينية. وتصل امتدادات الحي إلى أحياء الحمدانية، الفرقان، الأعظمية، ما يعني بعبارة أخرى أنّ نجاح المسلّحين في فرض سيطرة مستقرة على «البحوث العلمية» من شأنه أن يقود تالياً إلى اقتحام حي «حلب الجديدة»، والوصول عبره إلى المتحلق الغربي. وإذا تزامن ذلك مع تحرك المجموعات المسلّحة الموجودة في حي صلاح الدين للوصول إلى أوتوستراد الحمدانية فسيعني إغلاق طريق الراموسة (مدخل الإمداد الأساسي إلى حلب وبوابتها على طريق السفيرة ــ خناصر). وهو أمرٌ يعني فعليّاً ضرب طوق محكم على مناطق سيطرة الدولة السورية داخل مدينة حلب، ثم العمل على محاصرة كل النقاط العسكرية الموجودة داخلها تباعاً.

استراتيجية الجيش

يعمل الجيش والقوات الرديفة على منحيين أساسيين، أولهما السعي إلى احتواء «خرق البحوث». ويبدو أن خطّة الاحتواء انقسمت إلى ثلاثة أجزاء، يُركّز أولها على امتصاص الصدمة وحصر المعارك داخل أسوار البحوث، فيما يعتمد ثانيها على ضمان سيطرة ناريّة على المبنى، وتكثيف الاستهداف المدفعي والجوي، مع محاولة تحاشي المواجهات البرّية المباشرة، وتأجيلها قدر الممكن. نجاح المرحلتين السابقتين سيضمن تحقيق أكبر قدر ممكنٍ من الاستنزاف في صفوف المجموعات، ما قد يؤدي لاحقاً إلى انسحابهم، أو يجعل الإقدام على الخطوة الثالثة المتمثلة في الاقتحام البري ممكنة بخسائر أقل في صفوف القوات المُقتحمة (بفعل استنزاف المسلحين، والأثر النفسي الذي يخلفه امتصاص الهجوم وحصر نطاقه، وزوال الدفع المعنوي الذي حققه المسلحون بتقدمهم السريع). أما المنحى الثاني، فيقوم على تعزيز الوجود العسكري في حلب الجديدة، بالأفراد والعتاد، إضافة إلى محاولة تثبيت خطوط التماس مع المجموعات المسلحة في باقي جبهات حلب، وإحباط أي تحرّك يحاول كسر تلك الخطوط، سواء القريبة من دائرة الخطر الحالي (كما في صلاح الدين، والخالدية، والليرمون)، أو تلك البعيدة، والتي تفصل عمق مدينة حلب عن مناطق سيطرة المسلحين في المدينة القديمة، وبستان القصر.