مع إعلان «تيار الحكمة الوطني»، برئاسة عمار الحكيم، انتخاب حميد معلة الساعدي رئيساً لـ«مؤتمره العام التأسيسي»، و«تشكيل لجنةٍ لفكّ الارتباط عن المجلس الأعلى الإسلامي العراقي»، وذلك في بيان التيّار الأوّل والصادر عن مكتبه السياسي، يتصدّر النقاش سؤالٌ عن مستقبل الحكيم وتيّاره الوليد و«المجلس الأعلى»، فيطال في بعض جوانبه مستقبل الأحزاب والتيارات «الإسلامية»، وحدود دور طهران في المشهد السياسي العراقي.


وتصف مصادر سياسية عراقية مناهضة للحكيم خطوة الأخير بـ«الانتحار السياسي»، إثر انشقاقه عن «المجلس الأعلى»، مؤسّساً «تيار الحكمة». وتضيف في حديثها إلى «الأخبار» أن «تذبذباً» ضرب مفاصل التنظيمين الأساسي والوليد، خاصّةً أن الأوّل يحتضن الوجوه «التاريخية» لـ«المجلس»، فيما الثاني يضم شباباً آمنوا بمشروع «القائد الشاب».
ورغم خلافها القائم معه، فإن المصادر تخشى خروج الحكيم من العملية السياسية، وغيابه عن المشهد في مرحلةٍ متقدّمة، إثر «خطوته غير المحسوبة»، ورهانه على بعض المناخات السائدة في البلاد، بأن «إرادةً، عند بعض القوى الدولية، تسعى إلى ضرب التيارات والأحزاب الإسلامية (الشيعية والسُنيّة) لصالح الأحزاب العلمانية والليبرالية، والتيارات المدنية»، وهو أمرٌ قد لا يكون سهلاً، وفق تلك المصادر. وتحذّر من أن فشل مشروع الحكيم قد يقضي على مستقبله السياسي، خصوصاً إن «رُفضت عودته إلى المجلس، هذا إن لم ينفرط العقد التنظيمي للأخير»، مستغربةً في الوقت عينه من «الخلطة المركّبة» للتيّار الوليد. وتتساءل «كيف لمعمّمٍ إسلاميٍّ شيعي أن يقود مشروعاً ليبرالياً أو علمانياً أو مدنياً...»، غير أن جوابها الذي يأتي بالغمز: «إنّها الحكمة».


وصف خصوم الحكيم خطوة انشقاقه عن «المجلس» بـ«الانتحار السياسي»


وتقود «الخشية» على مستقبل الحكيم إلى السؤال عن سبب «الخلاف»، ورؤيته للمشروع البديل من مشروع «العائلة»، خاصّةً أن «السيّد» بات «أبرز وريثٍ سياسيٍّ لآل الحكيم، إن لم نقل الوحيد». يختصر مقرّبون من «الزعيم الشاب» ما جرى؛ هو «صراع أجيال» بين جناح الحكيم ومن خرج معه إلى «الحكمة» من جهة، وجناح المؤسّسين الذين ظلّوا في «المجلس» من جهة أخرى، بعد أن اصطدم برفضهم لبعض أفكاره «المتحرّرة نسبياً، ولا تلتقي مع خطّ طهران». وينقلون عنه، أيضاً: «إنني لم أعد أؤمن بالجيل المؤسّس»، متمسّكاً بـ«الجيل الشاب وطاقاته وقدراته، التي تسهم في تحقيق رؤيةٍ مغايرةٍ لرؤية المجلس».
وبمراجعة من لحق بركب الحكيم، ومن بقي في معسكر «المجلس»، فإن أبرز الوجوه التي واكبت تأسيس الأخير في طهران 1982، إلى جانب محمد باقر الحكيم، لم تلتحق بالتيّار الوليد. وأبرز هؤلاء جلال الدين الصغير، وصدر الدين القبانجي، وهمام حمودي، وباقر جبر صولاغ (الزبيدي)، ومحمد تقي المولى، وعادل عبد المهدي، وحامد الخضري، ما أفسح المجال لبعض مناوئي الحكيم لتوجيه «نقد ناعم» له، والاستهجان من عدم «قدرته على إقناع وجهٍ تاريخي من المجلس بالانضمام لتيّاره».
وتنقل مصادر عدّة أن الصغير، والزبيدي، والخضيري، زاروا العاصمة الإيرانية مؤخّراً، قُبيل إعلان «الانشقاق»، وطالبوا المسؤولين الإيرانيين بـ«دورٍ أكبر» في التنظيم الرئيس، حيث أعربوا عن رفضهم لـ«الصعود الصاروخي والكبير لوجوه شبابية»، لم تكن حاضرة في المشهد المعارض قبل سقوط نظام (الرئيس) صدام حسين. ورغم «الحرص» الذي أبدته تلك القيادات على لُحمة «المجلس»، فإن مصادر عراقيّةٍ تتخوّف من «انهياره»، خاصّةً أن بعض «الصقور المؤسّسة للمجلس» لها أجندتها الخاصة وتعمل على تطبيقها، بالتفاهم والتنسيق مع طهران. وبوصف مقرّبين من الحكيم، فإن القيادات المؤسّسة إن لم تكن على ارتباطٍ مباشرٍ ووثيق مع إيران، فإنها على علاقة طيّبةٍ معها، وهو أمرٌ لم يعد يحبّذه «القائد الأربعيني»، ويسعى جاهداً إلى الابتعاد عن العاصمة الإيرانية وقرارها، و«التحرّر من بعض القيود التي تفرضها على حلفائها». ويهدف حراك الرجل إلى خلق «حالة وطنيّة» يستطيع من خلالها «التماشي مع مزاج الشارع».
أراد الحكيم أن يلحق بزعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر، واعتماد «الخطاب الوطني» كأسلوب استقطابي يستند إلى الابتعاد عن «اصطفافات المحاور، وتحييد العراق عن نيران حرب المنطقة»، ومتّبعاً ــ أيضاً ــ بعض «إجراءات مقتدى» بتجنّب «العراقيين المقرّبين من طهران»، والاستثمار في شارع «شباب عراقيي الداخل»، الذين أبدوا «تململاً» من أداء «الأحزاب الإسلامية» منذ 2003. وتأمل مصادر الحكيم أن يتمكّن التيّار الجديد من استقطاب أكبر شريحةٍ شبابيةٍ ممكنة، موضحة في حديثها إلى «الأخبار» أن «الحكيم كلّف (منذ سنوات) فريقه بالتقصّي عن توجهات الشباب العراقي». وحذّر الفريق من «قنبلةٍ موقوتة اسمها الشريحة الشبابية»، التي قد تنفجر في السنوات القليلة المقبلة نتيجة البطالة المستشرية والظروف الأمنية، والفساد الضارب في دولة مترهلة وحكومةٍ ضعيفة. ونُصحت قيادة «المجلس» بأن تمزج بين الخطاب الإسلامي والخطاب الوطني ــ المدني، وأن تنشئ منظمات على ضفاف التنظيم، تكون ذات طابعٍ مدني ــ خدمي، إذ لم تستطع منظمات وجمعيات تأسست عام 2009 من تحقيق الهدف المرجو منها، لأسباب عدّة، تُفسّرها مصادر الحكيم بتمسّك الأخير وقيادة «المجلس» بإسناد إدارة تلك الجمعيات إلى «المعمّمين وطلاب الحوزة الدينية»، فـ«توجهات هؤلاء تناقض الليبرالية والمدنية وغيرها».
وأمام تجربة الحكيم «المجلسية»، ومسعاه ليكون «الحكمة» على قدر أمله، يبقى الرجل في نظر أغلب الطبقة السياسية محصوراً «بوراثته لآل الحكيم». وقد أسرّ «السيّد» لعددٍ من المقرّبين منه أسفه لتلك الصورة النمطية، التي كانت أحد دوافع «الانشقاق» لإثبات زعامةٍ لا تحدُّ في إطار الوراثة السياسية، في إشارةٍ إلى نزاعٍ كان يدور في دوائر قيادة «المجلس»، إبّان زعامة الحكيم، حول أحقيّة قيادة المؤسّسين باعتبار أن زعيمهم «تربّى على إيديهم»، الأمر الذي يفتح جملةً من التساؤلات: هل ستنجح تجربة الحكيم، وهل سيندثر «المجلس»؟




الحكيم خرج عن خطى المؤسسين

في بيان على موقعه الإلكتروني، قال جلال الدين الصغير إن «سر الاختلاف الحاصل (مع قيادة المجلس الأعلى) يعود إلى قضيةٍ أساسية تتعلّق بالفقاهة التي تحكم العمل السياسي»، موضحاً أن «محمد باقر الحكيم، اشترط أن يكون رئيس المجلس الأعلى فقيهاً وأمره نافذ على كل مفاصله». وأضاف «مشكلتنا كانت محلولة مع شهيد المحراب (باقر الحكيم) لأنه كان فقيهاً، وقد أمضى الفقيه المتصدي شأن رئاسة عزيز العراق (عبد العزيز الحكيم)، لكن هذه المشكلة كانت طاغية حينما كنا نفكّر في بديل العزيز». ووفقاً للبيان، فإن «نقاشات مستفيضة جرت في عهد عبد العزيز، أنتجت إيجاد مركز القرار والذي تحول لاحقاً إلى الهيئة القيادية... والتي أوكل إليها انتخاب رئيس المجلس، على أن يكون واحداً منها وليس أعلى منها»، في إشارةٍ إلى امتعاضه من أسلوب قيادة عمار الحكيم. وعزا أسباب انسحابه من قيادة المجلس إلى «استشارة المرجعيات الدينية وخروج المجلس عن نهج محمد باقر الحكيم وأخيه عبد العزيز».
(الأخبار)