ثوب الزفاف الأبيض مع «الطرحة» يعتبران بمثابة حلم لكلّ عروس. وإن كانت سنوات الحرب السوريّة قد أسهمت بغياب العديد من المظاهر الاعتياديّة، وبخاصّة مظاهر الأفراح التي تراجعت وسط دوّامة الخراب، فإنّ الفتيات السوريّات لم يتخلين عن هذا الحلم، وما زلن متشبثات بثوب الزفاف، بمعزل عن التباهي به أمام الصديقات والقريبات، مكتفيات بصورة تذكارية ستزين جدران بيوتهن، وإن كانت مستأجرة.


وفي المقابل، فقد تخلّت الكثيرات منهنّ عن فكرة الهدايا والمجوهرات، مكتفيات بـ«المحبس» كنزاً وحيداً، وعلامةً على زواج طال انتظاره. «قبلتُ التخلي عن حفل الزفاف والذهب، مقابل إكمال بعض الحاجات الأساسية للمنزل. واكتفيت بارتداء فستان العرس عند خروجي من منزل أهلي. لم أكن سعيدة بذلك، إلا أني قدّرت الظروف المادية التي يمر بها زوجي. عائلتي أيضاً تقبّلت ذلك. ولا أعتبر أننا تخلينا عن عادات أجدادنا وتقاليدهم، إلا أنها ظروف تمرّ على الجميع»، تقول هبة التي تزوّجت قبل أكثر من سنة، بينما يشرح زوجها، عمّار قائلاً: «تكاليف حفل العرس، بحضور المقرّبين والأصدقاء، تبلغ نحو 150 ألف ليرة سورية، وسعر غرام الذهب كان في حينه نحو 6700 ليرة، وكنت قد أكملت باقي تحضيرات الزواج، وتجهيز المنزل بمبلغ كبير، جزء منه بالاستدانة. فكّرنا في تأجيل الزواج أكثر من مرة، إلا أننا، بالحساب المنطقي للأمور المالية، وجدنا أن الوضع لن يذهب نحو الأفضل».


لم يستطع العودة
إلى سوريا بعد مغادرتها فأتمّ
زواجه عبر الإنترنت

أمّا عليا التي امتنعت عن إقامة حفل الزفاف، بسبب وفاة العديد من أقاربها خلال الحرب، فإنّها لم تتنازل عن الثوب الأبيض، ولبسته بعد شهر من زواجها، لتحصل على صور تذكاريّة. «لو أردنا انتظار أن نتمّ تفاصيل زواجنا على أكمل وجه، لانتظرنا سنوات كثيرة. كل منّا قدّر ظرف الآخر، وقبل به، لأنه شيء مفروض علينا وليس خيارنا»، تقول عليا التي لم يحضر لطلب يدها، يوم خطبتها، غير عدد قليل من أهل زوجها، لكون الطريق إلى قريتها لم يكن آمناً آنذاك. فيما تمكّنت جوليا، من الاحتفال بزواجها وفقاً لتقاليد منطقتها، ولكن بنموذج مصغّر كما تقول: «رتبنا تفاصيل الإكليل والحفل ضمن أقل التكاليف الممكنة، فلم نتمكن من دعوة جميع الأصدقاء والمعارف، وحققنا الحد الأدنى من متطلبات الزواج، وفقاً لعاداتنا».
الدكتورة حنان ديابي، اختصاصية علم الاجتماع، والمدرّسة في جامعة دمشق، تشير إلى أن الثوب الأبيض «هو رمز الزواج لأي أنثى، يرتسم في مخيلتها منذ الطفولة، فلا يمكن أن تستغني عنه بسهولة. وبه تعتبر أنها قد حققت جزءاً من أحلامها. لذلك تصرّ الفتيات على ارتدائه، وأخذ الصور التذكارية فيه، لتوثق تلك اللحظات التاريخية من حياتها». وتشير ديابي إلى وجود تسهيلات كبيرة للمقدمين على الزواج، بهدف تقليل المصاريف، مراعاةً للظروف الاقتصادية العامة، وتقول: «تلك التسهيلات طاولت الكماليات، وحتى بعض الأساسيات في متطلبات الزواج، كمنزل مستقل، وجهاز العروس ومهرها، وخاصةً بالنسبة إلى الأسر التي أثرت عليها الحرب مباشرة، سواء بوفاة معيل العائلة، أو النزوح من المنزل، حيث لجأت تلك العائلات إلى تزويج بناتهن، وإن كان في سنّ مبكر، للتخفيف قدر الإمكان، من المصاريف. أما العائلات التي لم تؤثر الحرب على أوضاعها المادية مباشرة، وجدت أن بناتها في الطريق إلى العنوسة، بسبب قلة عدد الشباب المؤهلين للزواج، فمنهم اضطر إلى البقاء وقتاً طويلاً في الخدمة العسكرية، ومنهم من سافر خارج البلد، فما كان أمام تلك الأسر إلا أن تقدم تسهيلات لحصول الزواج، حتى وإن كان في ذلك تخلٍّ عن العادات والتقاليد القائمة منذ عشرات السنين».
من جانب آخر، يبدو أنّ بعض العائلات ممّن كان تأثير الحرب عليها طفيفاً، وإن كانت قليلة العدد، قد تمسّكت بكل التفاصيل المادية والمعونية، لعادات الزواج وتقاليده.

عادات جديدة

أنتجت الأزمة السوريّة أشكالاً جديدة للزواج، وكرّست بعض المظاهر التي كان انتشارها محدوداً في السابق، كظاهرة الأعراس الجماعيّة، حيث باتت الكثير من الفتيات يقبلن الاحتفال بزفافهن ضمن عرس جماعي ترعاه الجمعيات الأهلية. ويقول عقبة، وكيل أحد المنظمين لمثل تلك الفعاليات: «المشارك بالعرس الجماعي معفى تماماً من أي كلفة، حيث يقدّم له رعاة الحفل كل التجهيزات اللازمة، غير أن العرسان مقيدون بتعليمات محددة لا يستطيعون تجاوزها».
أمّا أحدث ما أفرزته الأزمة السوريّة من مظاهر الزفاف، فكان إتمام الزفاف من طريق الإنترنت، وهو ما حدث مع ليلى، التي وافق أهلها على إتمام زواجها بغياب الخطيب، الذي لم يتمكن من العودة إلى سوريا بعدما غادرها، وكان الإنترنت هو وسيلة التواصل مع العريس لإتمام مراسم الزواج، في ظاهرة لم يعرفها المجتمع السوري من قبل. وفي مقابل ذلك، كانت مراكز الإيواء شاهدة على العديد من الزيجات التي جرت بمعزل عن المظاهر الاجتماعيّة المتعارف عليها، وهو ما تشرحه عفاف، التي تزوجت جارها في مركز الإيواء، وتقول: «حلّل الشرع لنا ذلك، فتزوجنا حتى من دون (محبس)».
وفيما تبدو العادات والتقاليد جزءاً من التركيبة الاجتماعية للمجتمعات، وبخاصّة المحافظة منها، فإنّ الحروب كفيلة بخلخلة تلك المنظومة، وهو ما تؤكّده الدكتورة ديابي في حديثها مع لـ«الأخبار»، حيث تقول: «رغم اعتقادنا أنّ العادات محفورة فينا، إلا أنها تتخلخل في الحروب. واليوم نحن نمرّ بحالة ضبابية بالنسبة إلى الكثير من التقاليد».
إلى ذلك، يشير مصدر، في محكمة دمشق، إلى أن نسبة الزواج لم تتأثر بفعل الأزمة، إلا بفارق بسيط جداً، فعدد معاملات الزواج، في العاصمة، بلغ نحو 20500 معاملة عام 2009. وفي عام 2014 أصبح العدد 19800 معاملة. ربّما لأنها دمشق، المدينة التي لا تزال آمنة، والتي استقبلت آلاف العائلات النازحة، لكن في محافظات أخرى ستكون الأرقام مختلفة، كما يعتقد الكثيرون.