صعدة | وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقريرها الأخير عن العدوان السعودي المتواصل على اليمن، جرائم حرب عدة، من بينها 12 غارة استهدفت أحياءً سكنية وأسواقاً في صعدة، ما أسفر عن مقتل العديد من المدنيين.

وكانت صعدة التي أُعلنت منذ الأسابيع الأولى للعدوان، مدينة منكوبة، بسبب الدمار الهائل الذي ألحقه بها قصف طيران التحالف، قد شهدت استهدافاً عشوائياً لأسواقها ومزارعها، بالإضافة إلى تدمير مركبات وناقلات ومحطات الوقود فيها، في وقتٍ لم تخلُ فيه الغارات من عشرات القنابل الانشطارية والعنقودية والأسلحة الكيماوية التي أوصلت مستشفيات صعدة إلى حدّ العجز عن استقبال المزيد من ضحاياها.

وكانت «الأخبار» قد التقت وفداً من المنظمة الإنسانية، زار صعدة، بهدف توثيق الجريمة التي لحقت بالمركز الثقافي وسط المدينة، جراء القصف الذي طاوله. وبالرغم من اكتفاء المنظمة في نزولها الميداني بالتركيز على عدد محدود من الجرائم (12 حالة كما وردت في التقرير)، كانت الزيارة كفيلة بإظهار جزء يسير على الأقل من حجم الجريمة الواقعة بحقّ صعدة وأهلها، كأبرز شاهد على الانتهاكات التي يرتكبها العدوان في اليمن بأسره، وخصوصاً أن المزيد من التوغل باتجاه الحدود ــ حيث لا تتوقف الحرب ولم يصل وفد المنظمة ــ سيُظهر المزيد من خفايا العدوان وتفاصيل جرائمه التي لم يُسلّط الضوء على الكثير منها.
ويقول مدير المستشفى الجمهوري في صعدة، الدكتور عبد الوهاب حجر، إن المستشفى استقبل خلال أشهر العدوان الثلاثة مئات الحالات المصابة بإصابات متنوعة وخطيرة، معظمها ناتجٌ من أسلحة محرّمة تُلقيها طائرات التحالف، من بينها القنابل العنقودية التي استُخدمت في الشهر الأول من العدوان، ومعظم ضحايا هذا النوع من القنابل تظهر إصابتهم بعد أيامٍ من وقوع الغارة. ويُشير الطبيب إلى إلقاء الطائرات السعودية قنابل وصواريخ تحوي مواد كيماوية سامّة، تتسبب بحالات اختناق، كما أن معظم ضحايا هذا النوع من الأسلحة يموتون في المكان المستهدف قبل وصولهم إلى المستشفى. ويضيف: «ما يستقبله المستشفى من ضحايا الغارات يفوق كثيراً القُدرة التشغيلية للقطاع الصحي في المحافظة، وخصوصاً بعدما دمّر الطيران عشرات المراكز الصحية والمشافي والصيدليات في المديريات وضواحي صعدة... حيث نضطر في كثير من الأحيان إلى تحويل الحالات إلى مستشفيات المحافظات المجاورة».
ويُلاحظ منذ بداية العدوان تعمّد الطيران استخدام الغارة الأولى بمثابة «طُعمٍ»، حتى يجتمع حوله أكبر عدد من المنقذين والباحثين عن الضحايا والأشلاء، وعندها يعاود الطيران الإغارة من جديد ولأكثر من مرة على المكان نفسه، ما يجعل من مهمة الإنقاذ مغامرة مميتة، حيث تقضي الغارة التالية على جرحى الغارة السابقة كافة، ويتضاءل الأمل بإسعافهم أو حتى العثور عليهم، بالاضافة إلى استهداف الأشخاص المتجمعين بعد الغارة الأولى. وقد كرّر الطيران هذه الجريمة في معظم القرى والأحياء السكنية التي استهدفها في صعدة، ما دلّ بوضوح على المنحى الإجرامي الذي يعتمده العدوان بعمله على إيقاع أكبر عدد من الضحايا في صفوف المدنيين. ولعلّ أبرز شاهد على هذا الأسلوب، هو مجزرة وادي صَبَر في صعدة حيث أغار عليها الطيران بدايةً، موقعاً عدداً من الضحايا لم يتجاوز العشرة، وعندما هبّ الأهالي والسكان لانتشال الضحايا ونجدة الناجين، استأنف الطيران القصف بأربع غارات في أقل من 10 دقائق من وقوع الغارة الأولى، ما رفع حصيلة الضحايا إلى أكثر من 50 شهيداً، وحال التحليق المتواصل للطيران دون إنقاذ الجرحى، خشية استئناف القصف وتحوّل المسعفين بدورهم إلى ضحايا.