أقرّ رئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بأن قرار التراجع وتفكيك البوابات الإلكترونية في المسجد الأقصى، في القدس المحتلة، لم يكن «سهلاً» عليه. وهو بذلك يؤكد أنه لم يكن ليقدم على هذه الخطوة لولا الضغوط التي فوجئت بها القيادة الإسرائيلية بفعل تحرك الشارع الفلسطيني الغاضب. ولفت أيضاً إلى أن هذا القرار لا يتلاءم مع مشاعر الجمهور الإسرائيلي الذي «يتفهم أحاسيسه وردوده إزاء القرار الذي اتُّخذ».


وبذلك، يكون قد كشف أيضاً عن طموحات هذا الجمهور وآماله التي تمتد إلى حد فرض السيطرة على الأقصى، ولم يكن قرار «المجلس الوزاري المصغر» سوى ترجمة لهذه الآمال، وتجسيد لهذه الطموحات.
مع ذلك، أثنى نتنياهو على قرار التراجع عن نصب البوابات، وبرّره بالقول خلال افتتاح جلسة الحكومة: «كرئيس يحمل على عاتقه المسؤولية عن ضمان أمن إسرائيل، يجب عليّ أن أتخذ قرارات برشد...». وقد جسّد بهذا الموقف مقولة أن صناع القرار السياسي يصبحون أكثر نضجاً ورشداً لاتخاذ القرارات الصحيحة بعدما تستنفد الخيارات البديلة، وفي حالته، بعد فشل الرهانات والخيارات التي حاول فرضها، الأمر الذي وضعه و«المجلس الوزاري المصغر» بين حديّ التراجع والإقرار بفشل وسوء التقديرات التي استند إليها، أو التورط في مسار متدحرج من الأحداث مجهول الآفاق.
على خط موازٍ، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يبرر قرار التراجع بوضعه في في سياق قراءة محددة للمشهد الإقليمي بكامله. فهو أراد القول إن هناك تحديات وتهديدات تستوجب تهدئة الجبهة الداخلية للتفرغ لما هو أشد خطورة. وفي هذا السياق، قال: «أقوم بذلك آخذاً بالحسبان الخريطة بأكملها وجميع التحديات والتهديدات التي نواجهها، حيث طبيعة بعضها ليست معروفة للجمهور، وبطبيعة الحال، لا أستطيع أن أفصح عن تفاصيلها». ومن الواضح أن نتنياهو حاول أن يوحي بأن إيجابيات الخضوع أمام إرادة الشعب الفلسطيني هو الخيار الأصح في الرؤية العامة للمشهد الإقليمي، وأن ذلك ينطوي على إيجابيات تتعلق بأمن «الشعب الإسرائيلي». كذلك يأتي تركيزه على هذا الوجه من القرار لإدراكه للمفاعيل السلبية التي تركتها هذه المحطة على مكانته السياسية والشعبية وسط الجمهور الإسرائيلي، خاصة أنه بنى زعامته على أساس الصورة التي نسجها في مخيلة الجمهور على أنه «سيد الأمن الإسرائيلي»، وسوقها في ساحة تخلو من منافسين على مستوى الزعامات التاريخية. مع التذكير بأن الجميع يسلم بكفاءاته في استغلال الإعلام واحترافه في مخاطبه الجمهور.
رغم ما تقدم، لا تعفي هذه القراءة نتنياهو ولا تغطي على فشل تقديراته ورهاناته التي استند إليها لدى اتخاذ هذا القرار منذ البداية. والدليل أن المشهد الإقليمي ما زال هو نفسه، قبل نصب البوابات وبعده، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن القيادة الإسرائيلية كانت تتبنى الطرح الذي قدمته بعض الأجهزة، وفيه أن الجمهور الفلسطيني لن يهبّ منتفضاً. والأرجح أن الأخيرة استندت إلى الواقع العربي وما افترضته من إحباط قد يثقل على الجمهور الفلسطيني اتخاذ قرار بحجم مواجهة الاحتلال قد يصل إلى حد الانتفاضة الشعبية الواسعة، مع التذكير بأن قرار نصب البوابات أتى مغايراً لتوصية «الشاباك» و«الاستخبارات العسكرية».
في المقابل، يبدو أن نتنياهو هدف إلى التلميح إلى التهديدات المحدقة بإسرائيل من جبهتها الشمالية التي انقلبت فيها التطورات من مشهد سوري وعراقي، كانت تراه إسرائيل فرصة استراتيجية انطلاقاً من رهانات وتقديرات محددة، ثم تحوّل بفعل مسار التطورات الميدانية والسياسية إلى منبع لتهديدات استراتيجية. ولئن تجنب نتنياهو تسمية الأشياء، أمام جلسة الحكومة، بمسمياتها، فإنه أفصح عن ذلك قبل أيام عندما توجه إلى الجولان المحتل، مع وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، برفقة القادة العسكريين، وعلى رأسهم رئيس أركان الجيش غادي أيزنكوت، حيث حذّر من مفاعيل تراجع تنظيم «داعش» على خلفية أن «إيران تحاول أن تملأ الفراغ». ولفت أيضاً إلى تعاظم التهديد عبر «القوس الشمالي» الذي يلتف حول إسرائيل «بمساعدة الأسلحة الدقيقة».
مع ذلك، لم يكن نتنياهو ليفوّت المناسبة من دون استخدام لغة التهديد والوعيد، متوجهاً إلى «أعداء دولة إسرائيل على جميع الجبهات»، بالقول: «قوات الجيش والشاباك والشرطة مستعدة للعمل بكل طاقتها ضد كل من يحاول الاعتداء على مواطنينا وجنودنا وأفراد شرطتنا. هكذا عملنا وهكذا سنعمل». وبالطبع كان أحوج ما يكون في ذروة انتصار إرادة الشعب الفلسطيني إلى مثل هذه اللغة بهدف إعادة تعزيز صورته كزعيم يطلق التهديدات يميناً وشمالاً.
أيضاً، يأتي قراره بعد تفكيك البوابات، بتعزيز قوات الشرطة المنتشرة في ساحات الحرم القدسي الشريف والبلدة القديمة، على خلفية مخاوفه من مفاعيل انتصار الإرادة الفلسطينية، وأيضاً بهدف توجيه رسالة ردع لاستعادة صورة القوة والعدوان في وعي المقدسيين، وأيضاً لكبح اندفاعهم، وذلك كما ورد على لسان نتنياهو: «من أجل إحباط العمليات الإرهابية ومنع الاحتجاجات، وأيضاً من أجل العمل بصرامة ضد مخالفي القانون».
في السياق نفسه، أضاف رئيس حكومة العدو أنه من أجل تنفيذ هذه المهمة، «خصصنا للشرطة تعزيزات ملموسة من عدة سرايا تابعة لحرس الحدود، وسنواصل تعزيزها وفق الحاجة. وأوعزت بتحويل ميزانية لا تتعدى 100 مليون شيكل، والمجلس الوزاري المصغر قد صدّق على ذلك... بهدف تطوير المعدات التكنولوجية والتزود بها، ومن شأنها خلق حلول أمنية لتعزيز الأمن».
على خط موازٍ، كان من الطبيعي أن ينقضّ منافسو نتنياهو على القرارات الفاشلة التي ارتكبها، وهم كثر وموجودون في كل لون من ألوان القوس السياسي في الساحة الحزبية الإسرائيلية، بما في ذلك داخل «الليكود» نفسه، ممن ينتظرون متى سيقول التحقيق في ملفات الفساد كلمته، ولكنهم حتى ذلك الوقت يلتزمون الصمت.
أما رئيس الحكومة ووزير الأمن الأسبق إيهود باراك، فلا يوجد ما يمنعه من الإدلاء بدلوه. وهو ما دفعه إلى اتهام نتنياهو بأنه كان «خائفاً مذعوراً وتابعاً وفاقداً للقدرة على تقدير الموقف» في أدائه أمام الأحداث الأخيرة في القدس المحتلة وحول الأقصى. وعلى خلفية النتائج التي آلت إليها أحداث الأقصى، دعا باراك إلى «الإسراع بإسقاطه ومعه المجلس الوزاري المصغر»، معتبراً أن نتنياهو كان على استعداد لتفجير المنطقة «وإشعال البلاد، من أجل إنقاذ نفسه من خطر التحقيقات»، التي تلاحقه في ملفات الفساد.