الجزائر | أطلقت مجموعة من الناشطات النسائيات الجزائريات على شبكات التواصل الاجتماعي مبادرة أطلقن عليها تسمية «مسابح المواطنة»، ووجهن من خلالها الدعوة إلى النساء (وإلى المتعاطفين مع الحراك النسائي من الرجال) من أجل تنظيم تجمعات للسباحة بـ«البيكيني»، رداً على الهجمة الظلامية التي تشهدها البلاد، منذ شهر رمضان الماضي، لمنع النساء من الاستحمام من دون «زي شرعي».


المبادرة التي أُطلقت من مدينة عنابة، في أقصى الشرق الجزائري، بالتزامن مع العيد الوطني الجزائري، في 5 تموز الماضي، لم تلبث أن انتشرت كالنار في الهشيم، لتستقطب أكثر من ثلاثة آلاف ناشط وناشطة، في مختلف أنحاء البلاد. وأدت إلى تنظيم العشرات من تجمعات السباحة، ذات «الخلفية النضالية» في شواطئ عنابة ووهران والجزائر العاصمة، ما بات الإعلام المحلي يلقبه بـ«ثورة البيكيني».
ومن المرتقب أن يُتوّج هذا الحراك بتجمع سيكون الأضخم من نوعه يوم 7 آب الجاري، ضمن فعاليات «مهرجان الألوان»، الذي يقام سنوياً عند شاطئ «تيشي» الشهير، في منطقة القبائل الأمازيغية. وكان هذا الشاطئ الذي عُرف بتسمية «شاطئ المقاومة»، خلال سنوات الإرهاب الإسلامي في تسعينيات القرن الماضي، أحد الشواطئ النادرة التي لم ترضخ لابتزاز «الجماعات الإسلامية المسلحة»، إذ إنه رفع لواء التصدي للتطرّف والظلامية من خلال نشر قيم التسامح والدفاع عن الحريات. ولم يكتف القائمون على هذا الشاطئ بإبقائه مفتوحاً للسباحة حتى في أحلك فترات الاقتتال الأهلي، بل حوّلوه أيضاً إلى فضاء مفتوح يحتضن عشرات النشاطات الثقافية والحفلات الفنية، ما جعله محّجاً لآلاف المصطافين الذين يقصدونه من مختلف أنحاء الجزائر.


ليست هذه «الثورة» سوى الجزء الظاهر من جبل الغضب الاجتماعي


وعلى مدى أسبوعين، يستقطب «مهرجان الألوان» قرابة 4 آلاف مشارك يومياً، وهو نسخة محلية من الـ«Holi Ftstival» الهندي الشهير، الذي يتقاذف المشاركون فيه بمستحضرات من البودرة المتعددة الألوان التي ترمز إلى «حب الحياة» و«انتصار الخير على الشر» في المعتقدات الهندية القديمة.
وكان من الطبيعي أن يتضامن هذا المهرجان الذي يرمز إلى «حب الحياة» مع حراك «ثورة البيكيني». فقد جاء هذا الحراك النسائي ردّ فعل على هجمة ظلامية غير مسبوقة في بلد جميلة بوحيرد. بدأ ذلك، خلال شهر رمضان الماضي، حين طرحت حفنة من البرلمانيين المحافظين من حزبي «جبهة التحرير» و«التجمع الوطني الديموقراطي» مشروع قانون يهدف إلى «تقنين ملابس النساء في الفضاء العام، دفاعاً عن الحشمة (الاحتشام) والأخلاق الرشيدة».
وبالرغم من أن غالبية النواب شجبوا ذلك المقترح، وعدّوه «ردة ظلامية غير مقبولة في بلد ضحى بأكثر من مئتي ألف من خيرة أبنائه للتصدي للتطرف الإسلامي خلال عقد التسعينيات»، فإنّ عدداً من الجمعيات الإسلامية التي تعمل وفق النموذج الوهابي لـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، سرعان ما تلقفت الفكرة، وأطلقت عبر شبكات التواصل الاجتماعي حملة لتحريض الرجال على «منع النساء من الاستحمام عاريات (أي بالبيكيني)». وفُتحت ضمن هذه الحملة صفحات على «فايسبوك» تدعو الرجال إلى «تصوير النساء اللواتي يرتدن الشواطئ والمسابح من دون زي شرعي، ونشر صورهن على شبكات التواصل لردعهن عن التمادي في الإخلال بالقيم والأخلاق الرشيدة».
هذه الدعاوى التي تشكل تعدياً صارخاً على الحريات، قوبلت بموجات عامرة من الاستنكار من قبل العديد من المثقفين، أمثال الروائي أمين الزاوي، والمسرحي أحميدة عياشي، والشاعر عاشور فني، الذين رأوا فيها «منزلقاً خطيراً ينم عن ردة تكفيرية تريد دعوشة المجتمع».
أما ردة الفعل الأكثر فاعلية، فقد اتخذت شكل «ثورة كيبورد»، بدأتها حفنة من المناضلات النسائيات في عنابة، ثم تلقفتها المئات من المنتديات والصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي. وإذا بها تتحول إلى حراك نسائي من نوع جديد يشهر «البيكيني» سلاحاً في وجه الظلامية والتطرف.
لكن «ثورة البيكيني» هذه ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الغضب الاجتماعي الجزائري حيال تزايد الهجمات التكفيرية. وخلال شهر حزيران/جوان الماضي، نُظمت تظاهرات وتجمعات احتجاجية عدة تضامناً مع الروائي رشيد بوجدرة، على إثر مقلب ذي خليفة تكفيرية تعرّض له أثناء مشاركته في برنامج تلفزيوني على قناة «النهار» المقرّبة من الجناح المحافظ في النظام الحاكم. وقبلها بأسابيع، ضجت الأوساط الثقافية بخبر استدعاء الروائي الشاب أنور رحماني، من قبل القضاء، في مسقط رأسه بشرشال، غرب العاصمة، لمساءلته بتهمة «التطاول على الذات الإلهية» في روايته «مدينة الظلال». وهي رواية كانت قد تعرضت قبل ذلك لهجمة شرسة من قبل التيارات الإسلامية المتشددة، بسبب دفاعها عن حقوق المثليين.
وفي السنة الماضية، تدخل القضاء الجزائري على إثر دعاوى تقدمت بها جمعيات إسلامية متشددة، لسجن ناشطين بتهم تمس بحرية المعتقد. فمنذ تموز/جويليه 2016، يقبع المبدع الشاب رشيد فوضيل (20 سنة) في السجن، بانتظار المحاكمة، بسبب إنجازه ترجمة للقرآن الكريم إلى العامية الجزائرية، نشر مقتطفات منها عبر صفحته على «فايسبوك»، ما دفع القضاء إلى إغلاق الصفحة وسجنه، على إثر دعوى رُفعت ضده من قبل «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين». وفي اعتداء آخر على حرية المعتقد، أصدرت محكمة سطيف، شرق البلاد، في آب 2016، حكماً بالسجن خمس سنوات على سليمان بوحفص، وهو رب عائلة بسيط في الأربعين من العمر، بسبب منشور على «فايسبوك» جاهر فيه باعتناقه المسيحية.
هذا التوظيف المغرِض للقضاء في قضايا تمسّ بحرية الرأي والمعتقد يشير إلى تقارب غير معلن بين التيارات المحافظة في السلطة الحاكمة والجمعيات الإسلامية ذات التوجه السلفي. ويخشى أن يفضي هذا التحالف القائم على خلفية من الطهرانية الأخلاقية والدينية، إلى الزج بالبلاد مجدداً في أتون الاقتتال والعنف الديني.