«الوقوف التام بجانب الشعب الفلسطيني»، عبارة عادة ما تذيّل البيانات الرسمية السعودية تجاه الفلسطينيين، ولكن في صحراء المملكة، يجب على الفلسطينيين الشعور بحرارة الشمس الحارقة في حياتهم اليومية داخل مملكة تواصل طردهم منها بالتضييق المالي الكبير عليهم. وتحت ذريعة الأزمة في الميزانية، قررت الرياض اللجوء إلى جيوب المقيمين داخلها لتغطية تكاليف انخفاض أسعار النفط مقابل الأسلحة التي تشتريها، ونال الفلسطينيون من ذلك نصيباً واسعاً بسبب عددهم الكبير فيها، مع أن غالبيتهم قطنت السعودية منذ عقود.


يقول شاب فلسطيني يدعى محمد، وصل إلى بلجيكا قادماً من السعودية في رحلة لجوء جديدة، إن لديه أسرة في الرياض كان يدفع عليها سنوياً قرابة 8 آلاف ريال سعودي (نحو ألفي دولار أميركي) من أجل الإقامة. ويشرح أنه في العام الجاري «صدرت قوانين صارمة للدفع على كل شيء، من تجديد الإقامة وإضافة الأطفال إليها، وذلك بصورة مضاعفة كل سنة عن التي تليها»، مضيفاً: «إذا كان يدفع عن الطفل 100 ريال هذا العام، فعلينا أن ندفع عنه 200 العام المقبل، وكل سنة يزيد المبلغ ضعفاً»، فضلاً عن سلسلة ضرائب جديدة.
محمد رفض ذكر أسرته أو مكانها بالتحديد أو حتى عمره بسبب الإجراءات العقابية التي قد تطاول أسرته بسبب حديثه عن السعودية، لكنه يشير إلى أن جده كان قد درّس في السعودية قبل عشرات السنوات، وكذلك فعل والده، مع أن الجدّ رفض الحصول على الجنسية في أواخر الستينيات ــ حينما كان ذلك ممكناً ــ على أمل العودة إلى فلسطين. ويضيف: «عائلات كثيرة في جدة والرياض الجميع صارت تخطط للخروج إلى أوروبا، والذي يخطط لذلك هو من يعمل قبل المتعطل عن العمل... حتى الذي يعمل بات لا يستطيع العيش مع واقع الدفع والالتزامات الأسرية بسبب الإجراءات الأصعب التي تستهدف الأجانب منذ سنوات».


تزداد الضرائب المفروضة
فيما تقرر مضاعفة الرسوم
على الإقامات سنوياً

وتابع محمد: «يبدو أن كذبة العفو الجمركي عن البضائع الفلسطينية ودعم موازنة السلطة تموّل من جيوب الفلسطينيين في المملكة». وهذا الشاب يقول إنه ليس الوحيد الذي جاء إلى أوروبا، إذ يشير إلى أن أقرباءه وعدداً من أصدقائه «ذهبوا إلى هولندا وآخرون إلى السويد وإسبانيا لطلب اللجوء»، معقباً: «هذا هو الحل لدى الفلسطيني المرفوض عربياً... لسنا مضطرين إلى العيش في بلد مثل السعودية لولا الحاجة إلى العمل».
خلال تواصلنا مع دبلوماسي فلسطيني عمل في السفارة الفلسطينية سابقاً لدى الرياض، قال إن «هناك معلومة لا يمكن تجاوزها في الدبلوماسية الفلسطينية المعمول بها منذ زمن: يُمنع انتقاد السعودية مهما كانت الأسباب». وأضاف الدبلوماسي، الذي انتقل إلى أوروبا بعد التقاعد، أن «طلبات تجديد أوراق السفر والجوازات والوثائق المصرية والأردنية (للاجئين الفلسطينيين) ازدادت قبل رحيلي، وذلك من أجل مغادرة السعودية إلى عمان والقاهرة». وبجانب ذلك، تأخذ المعاملات الرسمية للفلسطينيين مدة طويلة تصل إلى شهور.
أما ماذا تقدم المملكة إلى الفلسطينيين؟ فيجيب الدبلوماسي نفسه، بأن «العلاقات الرسمية بيننا كانت تقتصر على الولائم الملكية، في حين أن متابعة القضايا القنصلية ومحاولة حل بعض الإشكالات لا نستطيع العمل عليها». وإذا كان هذا الموظف في السفارة قد وجد نفسه في نهاية عمره المهني قد هاجر إلى أوروبا بسبب هذه الإجراءات، فكيف سيكون مصير نحو 400 ألف فلسطيني يقيمون في المملكة في ظل سنوات الحكم الجديد؟