في الوقت الذي يتابع فيه الجيش السوري وحلفاؤه تقدمهم على جبهات البادية السورية وعينهم على دير الزور، لا تزال باقي الجبهات المنضوية ضمن اتفاقات هدنة، تشهد هدوءاً لافتاً، بالتوازي مع استكمال القوات الروسية لانتشارها على طول خطوط التماس في المنطقة الجنوبية.


ومع افتراق مسار المنطقة الجنوبية والغوطة عن هدنة أستانا، يبدو مصير المنطقة الشمالية الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة، رهينة لتجاذب المصالح بين الدول المعنية بدعم تلك الفصائل، ولا سيما في ظل الخلاف الأميركي ــ التركي المتجدد. وعلى الرغم من عدم اكتمال تفاصيل اتفاق الجنوب بشكل كامل ــ أقلّه وفق المعلن ــ يشير تمركز القوات الروسي في نقاط عديدة ضمن ريفي درعا والقنيطرة، إلى أن هذه الإجراء هو من بين عدد من النقاط المحسومة في الاتفاق. ومن الممكن قراءة التحرك الروسي بالتوازي مع توجّه واشنطن نحو وقف الدعم العسكري لفصائل الجنوب، كإشارة إلى احتمال انتهاء رعاة الاتفاق الأميركي ــ الروسي من الملفات الشائكة التي يتخللها تنفيذ الاتفاق. وهو ما يتقاطع مع إيضاحات صدرت عن المبعوث الأميركي الرئاسي إلى «التحالف الدولي» بريت ماكغورك، تؤكد أن احتمالات نجاح الاتفاق كبيرة جداً، نظراً إلى الدقة في بحث وتوثيق البنود الخاصة بكل طرف.
وبالتوازي، يبدو «اتفاق الغوطة» مستقراً، مقارنة بباقي المناطق التي لم تشهد اتفاقات خارج إطار أستانا. وبعد دخول عدة قوافل إغاثية روسية وأممية إلى الغوطة الشرقية، تشير المعطيات إلى أن «فيلق الرحمن» قرر الالتحاق بالاتفاق والتحالف مع «جيش الإسلام» بعيداً عن «هيئة تحرير الشام»، ولا سيما بعد اجتماعات خارج الحدود، ضمّت ممثلين عن «فصائل الغوطة» وفصائل «الجبهة الجنوبية»، تركزت نقاشاتها على مرحلة ما بعد اتفاقات «تخفيف التصعيد». وبينما تتمتع منطقة سيطرة الفصائل المسلحة في إدلب ومحيطها، بوضع خاص معقد بعد سيطرة «تحرير الشام» على مدينة إدلب والمنطقة الحدودية مع الجانب التركي، تبقى منطقة ريف حمص الشمالي، خارج إطار اتفاقات التهدئة. وفي موازاة التصعيد الذي شهدته تلك المنطقة أمس، بعد اشتباكات وقصف متبادل طاول محيط الحولة وأطراف تلبيسة، نقلت عدة مصادر عن جهود تجري مع الجانب الروسي، للوصول إلى اتفاق مماثل لما جرى التوصل إليه في الغوطة الشرقية.
وفي سياق متصل، أعرب وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، في مؤتمر صحافي أمس، عن أمله في «تكرار نموذج مناطق (منع التصادم) في أجزاء أخرى من سوريا»، مضيفاً أن ما يجري العمل عليه هو «تفادي اندلاع حرب أهلية بعد هزيمة (داعش)». وجدد التأكيد أن بلاده ترى أن «لا مستقبل لـ(الرئيس السوري بشار) الأسد، في حكم سوريا»، مشدداً على ضرورة «مغادرة المقاتلين المساندين للنظام» سوريا.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه عقد جولة جديدة من محادثات أستانا، يتابع الجيش عمله الميداني في الشرق، مستفيداً من التهدئة على مختلف الجبهات الباقية. وتشهد محاور مدينة دير الزور تصعيداً لافتاً من قبل تنظيم «داعش»، تزامناً مع دخول الجيش وحلفائه حدود المحافظة. وصدّ الجيش أمس هجوماً نفذه التنظيم في محيط «الفوج 137» وقرية البغيلية غرب المدينة، بالتزامن مع استهداف سلاح الجو لنقاط تمركز «داعش» في الثردة ومحيط المقابر وأحياء العرضي والرشدية والحميدية. وأفادت مصادر محلية في مدينة الميادين، بأن عشرات الضحايا المدنيين سقطوا جراء غارات طائرات «التحالف الدولي» على قرى وبلدات في ريف دير الزور الشرقي.


شدّد تيلرسون على ضرورة «مغادرة المقاتلين المساندين للنظام»

وفي موازاة ذلك، شنت طائرات «التحالف» غارات مكثفة على مواقع داخل مدينة الرقة، دعماً لتحرك «قوات سوريا الديموقراطية» جنوبي المدينة. وأعلنت الأخيرة أمس، أنها تمكنت من السيطرة على كامل شريط الأحياء الجنوبية، عقب دخولها إلى حي نزلة شحادة، حيث التقت القوات القادمة من حي هشام بن عبد الملك (شرق)، مع تلك المتقدمة من نزلة شحادة (غرب). بدوره، أشاد المبعوث الأميركي لدى «التحالف» في تغريدة أمس على «تويتر»، بـ«التقدم البارز في الرقة خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة مع سيطرة (قوات سوريا الديموقراطية) على مناطق رئيسية».
ويشير تركيز «التحالف» جهود قواته البرية في جنوب المدينة، بعد توقف للعمليات وضغط مضاد من التنظيم على سور المدينة القديمة، إلى وجود خطط لدخول أحياء المدينة القديمة من الجهة الجنوبية، عوضاً عن الشرق والشمال، خاصة أن التحرك من تلك المحاور لقي مقاومة شرسة من قبل التنظيم، حيث لا تزال المعارك داخل «الفرقة 17» شمال المدينة، وعلى حدود السور القديم من الشرق.
وعلى صعيد آخر، جدد المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، استنكار بلاده لتصريحات ماكغورك، حول الدور التركي في إدلب، الذي أدى إلى «تمكين تنظيم (القاعدة)». وقال إن «تركيا لا تسيطر على إدلب. والقوى التي لها قوات قرب المنطقة، هي الولايات المتحدة وروسيا، والنظام السوري»، مضيفاً أن «المناطق القريبة من الحدود مع تركيا، فيقيم فيها عدد كبير من اللاجئين... وتركيا عملت وما زالت، على تقديم المساعدات الإنسانية لهم». ورأى أن «فشل إدارة (الرئيس الأميركي باراك) أوباما في وضع استراتيجية بشأن سوريا، عن قصد أو غير قصد، دفع الأمور في المنطقة إلى وضع بالغ التعقيد وأدى إلى ظهور (داعش)».
(الأخبار)