عمان ــ الأخبار

مرّ أكثر من أسبوع على ما بات يعرف بـ«حادثة السفارة» التي وقعت مساء الثالث والعشرين من تموز الماضي في العاصمة الأردنية عمان، حينما أقدم حارس في السفارة الإسرائيلية على إطلاق النار على أردنيين في مبنى سكني تابع للسفارة، فقتلهما.

بعد ذلك، نظّمت جنازة كبيرة وغاضبة للشاب محمد الجواودة غاب عنها أيّ تمثيل رسمي للنظام الأردني، فيما شُيّع الطبيب بشار الحمارنة بعده بعدة أيام في جنازة حضرها محافظ مدينة مأدبا حيث دفن. وفي الأسبوع التالي، نظّمت وقفة غضب أمام السفارة التي أخلي طاقهما إلى تل أبيب، فيما زار الملك عبدالله الثاني بيتَي عزاء الجواودة والحمارنة بعد عودته من إجازة خاصة.
على الصعيد الجماهيري، رُفعت خلال مسيرات الغضب ضد السفارة أو بشأن أحداث المسجد الأقصى الأخيرة شعارات تندّد بمعاهدة وادي عربة وتطالب بإسقاطها وإغلاق السفارة، علماً بأن هذه المطالبات لم تغب عن الاعتصامات والمسيرات منذ توقيع المعاهدة في 26 تشرين الأول 1994، ولكن هل بالفعل هناك رفض شعبي قادر على إسقاطها؟


عضو كنيست يلبّي دعوة نائب أردني للمصارعة على الحدود

المزاج الشعبي لا يزال يرى في إسرائيل دولة احتلال. لكن على الأرض هناك واقع فرضته بنود المعاهدة التي طاولت مضامينها الجوانب السياسية والأمنية، إضافة إلى الاقتصادية والثقافية، ما أدى إلى الاستسلام لبعضها شعبياً، ومنها مثلاً قضية البضائع الواردة إلى السوق، خاصة الخضر والفواكه التي تزاحم المنتج المحلي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السياحة الإسرائيلية في المملكة.
مع ذلك، نظّمت حملات عدة لمحاربة التطبيع، وفي أحيان معيّنة كانت تلاقي هذه الحملات تجاوباً، خاصة عندما يكون هناك توتر في فلسطين. لكن بصورة عامة، وخلال 24 عاماً، بدأ الشارع يتعاطى مع سفارة العدو كأمر واقع، بل أسهم التطبيع السياحي، تحت حجة الصلاة في المسجد الأقصى، في التعامل مع مكاتب السياحة المطبّعة مع سفارة تل أبيب بأريحية، بل ثمة من كان يحاجج في مشروعية مثل هذه الرحلات الدينية. وليس غريباً أن يصادف المواطن العادي وفداً إسرائيلياً في رحلات سياحية، ويدّعي بعض أعضاء هذه الوفود الضياع أحياناً للخروج من الرقابة التي تفرضها الحكومة عبر عناصر الشرطة السياحية. وهنا تأتي الحادثة التي أودت بحياة الرقيب إبراهيم الجراح في 3 نيسان 2013، عندما كان يرافق أحد هذه الوفود، ووُجد غريقاً بعد مضيّ 36 ساعة على اختفائه في منطقة وادي سيل ماعين القريبة من البحر الميت. وإثر ذلك، استجوب بعض أعضاء هذا الوفد، لكن من دون أن يتبيّن سبب موته.
الحوادث التي يتسبّب فيها إسرائيليون كثيرة؛ فمثل حادثة الجراح، ثمة تصفية الشهيد سعيد العمرو (27 عاماً) في أيلول الماضي في منطقة باب العمود في القدس بدعوى تنفيذ عملية طعن، ومن قبله الشهيد القاضي رائد زعيتر (39 عاماً) الذي أطلق عليه الرصاص على جسر الملك حسين، على الحدود بين الأراضي الأردنية وفلسطين المحتلة في آذار 2014، وأخيراً «حادثة السفارة»، لكن ردود الفعل تقتصر على عائلات الضحايا وعلى الفعاليات الحزبية والجماهيرية التي تكثف نشاطها لوقت محدود مع تفاعل جماهيري سرعان ما يهدأ، ثم لا تقدم لجان التحقيق أي نتيجة واضحة، فيما تبقى المعاهدة والعلاقات الدبلوماسية بعيدة عمّا يكدّر صفوها.
في غضون ذلك، لبّى عضو الكنيست الإسرائيلي اورن حزان دعوة عضو البرلمان الأردني يحيى السعود للمواجهة على معبر اللنبي (الاسم الإسرائيلي لجسر الملك حسين ــ الكرامة)، وذلك على خلفية تغريدة دعا فيها الأول إلى «إعادة تثقيف الأردنيين»، لكنه بعدما توجه إلى الجسر عاد بناءً على طلب مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وهذه المسرحية التي شهدتها الساحتان الإعلامية والسياسية في إسرائيل والأردن أتت بفعل تغريدة ذكر فيها حزان ما يأتي: «يبدو أن جيراننا في شرق نهر الأردن، الذين نسقيهم ونسكت لهم على سلوكهم، يحتاجون إلى إعادة تثقيفهم».
ومع أن كل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من اضطهاد وقمع ومجازر لم تستفزّ الكثير من الأنظمة العربية المحيطة بإسرائيل، ردّ السعود، الذي يترأس «لجنة فلسطين» في البرلمان الأردني، على حزان قائلاً: «الإسرائيليون هم فيروس يمكن تشخيصه بواسطة ميكروسكوب من إنتاج الولايات المتحدة التي تدافع عنهم... حذاء كل طفل فلسطيني أشرف من النائب الأحمق حزان»، ثم دعاه إلى اللقاء به في العاشرة صباحاً لمصارعته على المعبر.
وكان حزان، الذي ينتمي إلى قائمة «الليكود» في الكنيست، قد أعلن أنه ينوي الوصول إلى الجسر مستجيباً لدعوة النائب الأردني، قائلاً: «من واجبي استغلال الفرصة ومحاولة المساعدة في تسوية العلاقات بين البلدين من خلال احتكاك مباشر مع الجانب الثاني. وسأقترح عليه الخروج معي بدعوة مشتركة لحل الصراع لإخوته، عرب المناطق الذين يسمّون فلسطينيين، كي يرجعوا إلى بيتهم في الأردن وتطبيق حق تقرير المصير القومي هناك، من أجل إقامة أردن واحد كبير وقوي».