خلافاً لتقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، حول ارتفاع إنتاج القمح في سوريا بمعدل 12%، سجّلت أرقام المؤسسة العامة لإنتاج وتسويق القمح أدنى مستوى للإنتاج في تاريخ البلاد، والذي وصل إلى قرابة 271 ألف طن فقط، وهو ما يقدر بـ 7% عمّا كان عليه التسويق في عام 2011.


«الفاو» وبرنامج الأغذية العالمي، التابعان للأمم المتحدة، كانا قد أعلنا أن محصول القمح السوري ارتفع إلى 1.8 مليون طن في 2017، بزيادة 12% عن مستوى العام الماضي، وهو ما لا يتطابق مع الواقع.
ويدقّ هذا التدني الكبير للإنتاج ناقوس الخطر بشكل حقيقي تجاه الأمن الغذائي، الذي لطالما نجحت الحكومات السورية المتعاقبة في تحقيقه خلال سنوات الحرب الأولى، قبل أن تلجأ إلى الاستيراد من أوكرانيا وروسيا، لسد حاجاتها من القمح اللازم لتصنيع الدقيق وإنتاج الخبز.
ويوضح الخبير الزراعي رجب سلامة، أن من أسباب تراجع الإنتاج «توجّه الفلاحين نحو الزراعات ذات الدورة الزراعية الصغيرة والتي لا تتجاوز الشهرين، والتي تعطي ربحاً وفيراً، كالمحاصيل العطرية مثل الكمون والسمسم وحبة البركة»، مضيفاً أن ذلك «تسبب بتقليص المساحات المزروعة بالقمح». ويشير إلى أن «عدم توفر مستلزمات الإنتاج الزراعي من سماد ومحروقات، هي عوامل إضافية ساهمت في التدني التدريجي للمساحات المزروعة، ولمعدل الإنتاج العام». وهي رؤية تطابقت إلى حد كبير مع تقرير منظمات الأمم المتحدة، الذي عزا التدني العام في إنتاج القمح إلى «ارتفاع التكلفة أو عدم توافر مستلزمات الزراعة من بذور وأسمدة، وتدمير البنية التحتية».
ولم ينفع تدخل الحكومة السورية المتأخّر تجاه محصول القمح في تغيير واقع الحال، فقبل شهرين من مواعيد الحصاد، لم يكن معروفاً لدى الفلاحين بعد إن كانت الحكومة سوف تتسلم محصول القمح أو لا، في ظل سريان شائعات عديدة قالت إنها سوف تكتفي بالكميات التي استوردتها من الخارج.


نفت «الإدارة الذاتية» الكردية إجبارها
الفلاحين على بيع محصولهم إليها

ورغم محاولة لجنة التسويق المركزي التي عقدت اجتماعاً موسعاً برئاسة وزير التجارة الداخلية عبدالله الغربي في مدينة القامشلي (التي تنتج أكثر من 55% من الإنتاج العام للبلاد) إحداث تغيير من خلال تحديد سعر 140 ل. س. لكل كيلوغرام واحد وتسلّم محصول الفلاحين منهم، بغض النظر عن المديونية السابقة، إلا أن عاصمة سوريا الزراعية، الحسكة، لم تنتج سوى 157 ألف طن، بانخفاض حاد عن إنتاج العام الفائت والذي وصل إلى قرابة 340 ألف طن.
وكان لفتح «هيئة الزراعة» في «الإدارة الذاتية» الكردية، سبعة مراكز لشراء القمح في مناطق سيطرتها، أثر سلبي على انخفاض نسب التسويق في الحسكة. إذ طالت «الهيئة» اتهامات من العديد من الفلاحين في المناطق الشمالية في الحسكة، بأنها منعتهم من تسليم محاصيلهم إلى المراكز الحكومية، وأجبرتهم على تسليمها إلى مراكزها بسعر أقل من السعر الحكومي بليرتين لكل كيلوغرام.
ونفى مصدر في «المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في الجزيرة» في حديث إلى «الأخبار» أي أخبار عن «منعهم أي فلاح من تسليم قمحه إلى الجهات الحكومية». وكشف أنهم «عرضوا على الجهات الحكومية فتح مراكز في مناطق سيطرتهم مع التعهد بضمان سلامة المحاصيل، غير أن الطلب قوبل بالرفض». وأضاف أنهم «تسلّموا قرابة 150 ألف طن من أصل 200 ألف كان من المخطط أن يتم تسلمها لتأمين حاجة أرياف حلب والرقة من الخبز».
وتسجّل أرقام وزارتي الزراعة والتجارة الداخلية انخفاضاً مطرداً للإنتاج، إذ توضح أن إنتاج سوريا من القمح بلغ 3 ملايين و900 ألف طن قبل الحرب، لينحدر الرقم عام 2012 إلى مليون و600 ألف طن، بينما بلغ قرابة 425 ألف طن في عام 2015، و420 ألف طن في عام 2016.
ويعزو معاون مدير المؤسسة العامة للحبوب، نوح أسيود، أسباب تدني الإنتاج إلى «خروج مناطق ريف حلب والرقة ودير الزور عن السيطرة، واقتصار المراكز على 24 مركزاً، وبنسبة تصل إلى 17% فقط من إجمالي مراكز المؤسسة» وأشار إلى أن «الظروف الجوية اختلفت، وكانت سبباً في تدني الإنتاج».
من جانبه، رأى ممثل منظمة «الفاو» في سوريا آدم ياو، أن «هناك حاجة لتقويم وتقدير الكمية التي ستستطيع (الحكومة) أن تشتريها لأن الاتجاه العام هو التجارة عبر الحدود»، مضيفاً أن «جزءاً من القمح الذي ينتج في الحسكة على سبيل المثال يذهب إلى العراق وتركيا المجاورتين»، وهو ما نفاه مدير زراعة الحسكة عامر حسن، مؤكداً عدم «وجود أي تهريب خارجي للقمح».
في المقابل، أبدى عضو مكتب اتحاد فلاحي سوريا، ومسؤول مكتب التسويق، خطّار عماد، نظرة تفاؤلية للمواسم المقبلة، مشيراً إلى أن «استعادة الجيش السوري مساحات واسعة من البلاد، سيساهم في إعادة تعافي قطاع الزراعة، والارتفاع التدريجي في الإنتاج». وكشف عماد أن «الاتحاد سيعمل على استيراد جرارات وأعداد من الأبقار، وتأمين مستلزمات الإنتاج الزراعي لمساعدة الفلاحين على الاستقرار، وإعادة مستويات الإنتاج إلى ما كانت عليه».