الرباط | يبدو أنّ الخطاب الملكي الذي فاجأ الناس قبل أيام قليلة، لن يمرّ مرور الكرام، شأنَ الخطابات السابقة التي اعتاد محمد السادس أن يلقيها كلّ عام في ذكرى تنصيبه ملكاً على البلاد. ويبدو أن مفردات هذا الخطاب لن تنزل برداً وسلاماً على الذين يقودون الأحزاب السياسية من جهة، وعلى الذين يتحملون المسؤوليات الكبرى في البلاد من جهة أخرى.


وجاء الخطاب الملكي هذه المرّة مكتوباً بلغة صارمة، ومحملاً بالكثير من عبارات الوعيد. وللمرة الأولى، سيقول الملك جملة كهذه: «لكن إذا تخلف المسؤولون عن القيام بواجبهم، وتركوا قضايا الوطن والمواطنين عرضة للضياع، فإن مهماتي الدستورية تلزمني بضمان أمن البلاد واستقرارها، وصيانة مصالح الناس وحقوقهم وحرياتهم»، ما يعني التهديد بحلّ الحكومة والبرلمان. فما الذي جعل لغة الخطاب تصل إلى هذه الحدّة؟
لقد بدا للملك أن البلاد لا تسير وفق الإيقاع الذي يتمناه، وأن ما يُخطَّط على الورق في مراكز القرار لا يصل إلى أرض الواقع، إذ ثمة فالق جيولوجي كبير بين منطقتي التصوّر والتنفيذ. المشاريع التنموية التي كان يفترض إنجازها في غلاف زمني متفق عليه لم تنفذ، والكثير من المصالح الكبرى بالبلاد تعرِفُ تعثرات وتلكؤات، وأحياناً تراجعاً في الأداء. مشروع كبير مثل «الحسيمة منارة المتوسط» الذي أطلقه الملك قبل سنتين، لم ينجز منه إلا جزء بسيط جداً، بل إن مواطنين لم يسمعوا به إلا بعد انطلاق حراك الريف.


سياسيون ومسؤولون كبار في البلاد
باتوا يخشون أي
مفاجأة غير سارة

وكان هذا المشروع التنموي الكبير يهدف إلى إنشاء مراكز استشفائية، ومنطقة صناعية، ومطار وملعب كبير لكرة القدم، وملاعب للهواة، ومسبح وثلاث قاعات مغطاة، إحداها بمعايير دولية، ومسرح ومعهد للموسيقي ودار ثقافة، إضافة إلى مشاريع أخرى ذات طابع اجتماعي. غير أن المشروع الكبير ظل حبراً على الورق، ما جعل الملك يتحرك، بعدما امتلأت شوارع الحسيمة بالمتظاهرين وبلافتات الاحتجاج، ويشكّل لجنة لتقصي الحقائق ومعرفة الأسباب والعوامل المعوِّقة، وبالتالي محاسبة الذين يقفون وراء تعطيل هذا المشروع.
نبرة الملك كانت تنحو هذه المرة جهة الحسم في ما يخص مسألة المحاسبة: «إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق المواطنة وواجباتها، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب».
لقد بدا للملك أن التدافع بين الأحزاب السياسية جعلها تفكر في الرفع من مكتسباتها على حساب مصلحة المواطن، وأن الكثير من المسؤولين في إدارات البلاد لا يقومون بعملهم كما ينبغي. ولذلك حين نزل السياسيون والمسؤولون إلى شوارع الحسيمة بعدما ارتفع إيقاع الحراك الشعبي، لم يجدوا من يصغي إليهم، إذ فقد السكّان الثقة في ما يسمونه «الدكاكين السياسية» التي لا يظهر معظم ممثيلها إلا في مناسبة وحيدة، وهي الانتخابات بقصد جلب الأصوات التي توصلهم إلى قبة البرلمان، وإلى الكراسي الوزارية.
يضيف الملك في خطابه الأخير: «وأمام هذا الوضع، من حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانوا هم في وادٍ، والشعب وهمومه في وادٍ آخر؟».
وبلغة قريبة من الناس، يتساءل الملك: «أنا لا أفهم كيف يستطيع أي مسؤول لا يقوم بواجبه، أن يخرج من بيته، ويستقل سيارته، ويقف في الضوء الأحمر، وينظر إلى الناس، دون خجل ولا حياء، وهو يعلم بأنهم يعرفون بأنه ليس له ضمير».
انتقد الملك ازدواجية الخطاب السياسي في البلاد، إذ بدا له أن الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولين يتسابقون إلى الصفوف الأمامية حينما تسير أمور البلاد جيداً، للاستفادة سياسياً وإعلامياً، من المكاسب المحققة، بينما يختبئون وراء القصر الملكي، ويرجعون كل شيء إليه إذا ما كانت هناك أزمة.
يُعلي محمد السادس من نبرته حين يقول: «إذا أصبح ملك المغرب غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟ لكل هؤلاء أقول: كفى، واتقوا الله في وطنكم، إما أن تقوموا بمهماتكم كاملة، وإما أن تنسحبوا».
إنّ الحالة التي قام الملك بتوصيفها في خطابه الأخير ليست جديدة، فالفساد السياسي والإداري حاضر في الحياة المغربية منذ عقود، وربما كانت حدّته من قبل أقوى، لكن حراك الريف كان بمثابة الريح التي أسقطت ورقة التوت، تلك الورقة الهشة التي كانت تغطي سوءَة الجسد السياسي في البلاد.
سياسيون ووزراء ومسؤولون كبار في إدارات البلاد ومؤسساتها باتوا يخشون أي مفاجأة غير سارة، قد تكون أخفّ درجاتها الإقالة، وأحدّها السجن. الوزير الأول (رئيس الوزراء) سعد الدين العثماني، عقد مجلساً حكومياً لتدارك ما يمكن تدراكه، نجم عنه تشكيل لجنة لإصلاح الإدارة و«الحكامة»، ووزير الداخلية اجتمع مع كبار المسؤولين في الأمن والدرك والقوات المساعدة لـ«تنزيل توجيهات الخطاب». لجنة التفتيش التي تشكلت من وزارتي المالية والداخلية والمكلفة بمتابعة تعثر مشاريع الحسيمة، ما زالت تواصل عملها، ولا سيما أن عدداً من الوزراء الذين لهم علاقة بهذا المشروع ممنوعون الآن من السفر. من جهة أخرى، بدأ التحقيق فعلاً مع عدد من المسؤولين في الإدارات العامة والبرلمان والمجالس المنتخبة، ما يعني أن «رؤوساً قد أينعت وحان قطافها».